حراك التلاميذ في فرنسا يتمدد إلى أزمة سياسية شائكة: الحكومة في مواجهة “ائتلاف الغضب” واختبار الثلاثاء الحاسم

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «حراك التلاميذ في فرنسا يتمدد إلى أزمة سياسية شائكة: الحكومة في مواجهة “ائتلاف الغضب” واختبار الثلاثاء الحاسم»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
تستقبل فرنسا أسبوعاً جديداً على وقع تصاعد لافت في وتيرة احتجاجات تلاميذ المدارس التي انطلقت منتصف سبتمبر المنصرم من ضواحي باريس كغضبة فئوية تطالب بإنقاذ المدرسة العمومية، قبل أن تتطور في غضون ثلاثة أسابيع فقط إلى حركة وطنية عارمة تضع حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو أمام اختبار اجتماعي وسياسي مباشر، قبيل يوم تعبئة وطني مرتقب الثلاثاء يُنتظر أن يحدد المآلات المستقبلية للأزمة.
ومع امتداد الحركة إلى مختلف الأقاليم والمناطق الفرنسية، كشفت وزارة التربية عن قرار بتعليق الدراسة كلياً أو جزئياً يوم الاثنين 5 أكتوبر في نحو 400 إلى 500 ثانوية من أصل 3700 مؤسسة تعليمية على مستوى البلاد، وذلك لعدم توافر الشروط الأمنية اللازمة. ودفع هذا الاتساع صحيفة “لوموند” إلى تصنيف هذا الحراك، بحجمه وزخمه وطبيعته، ضمن أهم التعبئات الاحتجاجية لجيل الشباب في تاريخ فرنسا الحديث.
وتتركز المشاغل الأساسية للمحتجين حول الأزمات الهيكلية التي تعاني منها المنظومة التعليمية، وفي مقدمتها النقص الحاد في المدرسين، وغياب التغطية الفعالة للغيابات، واكتظاظ الفصول، وتداعي بعض البنيات المدرسية، وضغط الجداول الدراسية، بالإضافة إلى الرفض الجماعي لنظام الولوج إلى التعليم العالي “باركورسيب” (Parcoursup). ويتميز هذا الحراك بطابعه الاجتماعي والتعليمي التلقائي؛ إذ لم ينطلق بقرار من تنظيم سياسي أو نقابي مركزي، بل سرعان ما انتقل بين المؤسسات عبر منصات التواصل الاجتماعي التي لعبت دور المحرك والمسرع لنقل الشرارة من ضواحي العاصمة إلى باقي المدن.
لكن الأحداث أخذت منحنى أمنياً معقداً بعدما خرجت التظاهرات في بعض المواقع عن نطاقها السلمي؛ حيث شهدت بعض الثانويات مواجهات وأعمال تخريب وحرائق، أدت إلى إعلان السلطات تسجيل نحو 5000 حالة توقيف شملت في غالبية مجرياتها قاصرين، إلى جانب إصابة عشرات العاملين في قطاع التعليم وتعرض مؤسسات لأضرار مادية. وفي المقابل، واجهت الحكومة انتقادات حادة من أحزاب اليسار والنقابات، التي اتهمت الأجهزة الأمنية باللجوء إلى الاستخدام المفرط للقوة وتنفيذ عمليات توقيف جماعية غير مسبوقة ضد حركة يقودها مراهقون.
وتغيب عن هذه الحركة السمات الاحتجاجية الخاصة القيادة المركزية الموحدة، وتعتمد بصورة مكثفة على المحتوى المرئي عبر منصات التواصل، مع رفع قائمة مطالب متنوعة ترتبط بتفاصيل الحياة اليومية للطلاب بعيداً عن المشاريع الأيديولوجية المحددة. وتزيد هذه الطبيعة الرقمية وغير المهيكلة من صعوبة التنبؤ بمسار الحراك أو التحكم فيه، سواء من قبل الجهاز الحكومي أو النقابات والأحزاب، وهو ما دفع قائد شرطة باريس للتحذير من أن الجهات التي أطلقت الحركة لم تعد قادرة بالضرورة على ضبطها، وسط مخاوف أمنية من تسلل مجموعات عنيفة للشارع.
وعلى الرغم من طابعها الشبابي، بدأت الحركة تتطور تدريجياً لتغدو مركز استقطاب لاحتجاجات اجتماعية أوسع نطاقاً. وفي هذا السياق، أعلنت ست نقابات في قطاع التعليم دعمها لتعبئة الثلاثاء مع إمكانية خوض إضرابات، فيما دعت “الكونفدرالية الفلاحية” المزارعين للانضمام بجراراتهم إلى المسيرات. وترى تحليلات “لوموند” أن الخطر السياسي الأكبر على الحكومة يكمن في إمكانية تشكل “ائتلاف للغضب” يدمج أزمة التعليم العمومي بقضايا القدرة الشرائية، وأسعار الطاقة، والعدالة المناخية، والسياسات التقشفية.
وعلى الصعيد السياسي، دخل حزب “فرنسا الأبية” بقوة على خط الأزمة، حيث حرص نوابه على الحضور الميداني إلى جانب المحتجين وتقديم الدعم العلني لمطالبهم في ضواحي باريس، وثقت ذلك مقاطع مصورة حققت ملايين المشاهدات على منصات والتواصل. وفي الوقت الذي تتهم فيه الحكومة والقوى اليمينية الحزب باستغلال اغضب التلاميذ وتأجيج الشارع لأغراض سياسية، ينفي الحزب هذه الاتهامات؛ إذ أكد زعيمه جان لوك ميلانشون أن الحراك شعبي ينظم نفسه بنفسه، داعياً إلى النضال غير العنيف، بينما عبّر منسق الحزب مانويل بومبار عن الأسف تجاه أعمال العنف، متسائلاً عن جدوى اختزال الحكومة لأصل الحركة التعليمية في التجاوزات الأمنية.
وهكذا، أضحى التنازع حول تفسير خلفيات الحراك الفرنسي جزءاً من الأزمة ذاتها؛ فبينما يركز الخطاب الحكومي واليميني على الملف الأمني وأعمال التخريب ومحاولات الاستغلال السياسي، تصر القوى اليسارية والنقابات على الإضاءة على الجذر الأساسي للمشكلة المتعلق بظروف المدرسة العمومية وطبيعة التعامل الشرطي مع التلاميذ.
وعن المقارنات التاريخية، فإن استحضار صور المتاريس والمواجهات والتعبئة الشبابية يثير في الذاكرة الفرنسية أحداث مايو 1968، غير أن التحليلات السياسية ترى أن هذه المقارنة لا تزال مبكرة؛ كون انتفاضة 68 انطلقت من الجامعات قبل أن تتسع لإضراب عمالي شمل الملايين وشل الاقتصاد الفرنسي، في حين لا تزال حركة 2026 محصورة في جوهرها داخل الأوساط المدرسية رغم بداية التحاق الطلاب والنقابات بها. وتبدو الحركة الحالية أقرب -بحسب باحثين- إلى احتجاجات التلاميذ التي شهدتها البلاد عام 1990، والتي انطلقت كذلك من ضواحي باريس رفضاً لتدهور الإمكانيات المادية داخل المؤسسات التعليمية.
وتبقى الأنظار متجهة نحو اختبار يوم الثلاثاء 6 أكتوبر، الذي يمثل محطة حاسمة لتحديد اتجاه الأزمة؛ بعدما دعت تنظيمات التلاميذ والطلبة والنقابات إلى يوم تعبئة وطني تحت اسم “الفصل الثالث”، في استعارة رمزيّة لأيام احتجاجات حركة “السترات الصفراء”.
ويأتي هذا الاختبار الحرج في وقت تستعد فيه الحكومة لمناقشة ميزانية عام 2027 المتضمنة تدابير لخفض العجز المالي وتقليص هوامش الإنفاق العام، مما يضاعف الضغوط المالية والسياسية على حكومة لوكورنو بحسب تقارير وكالة “رويترز”. وبناءً عليه، يظل الرهان قائماً على مدى قدرة هذا الحراك المدرسي على التحول إلى حركة اجتماعية شاملة عابرة للفئات والأجيال بناءً على حجم المشاركة وقدرة النقابات على ضبط المشهد الميداني.
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
