دَينُ مدريد وعارُ الرباط: عن الملك الإسباني الذي كرّم الجثامين والعرش المخزني الذي تنكّر للضحايا.. بقلم: معمر قاني

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «دَينُ مدريد وعارُ الرباط: عن الملك الإسباني الذي كرّم الجثامين والعرش المخزني الذي تنكّر للضحايا.. بقلم: معمر قاني»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
ستبقى تلك الصورة المأسوية راسخة في الذاكرة الإنسانية لعقود طويلة، شاهدةً على مسافة حضارية لا تُقاس بالكيلومترات الجغرافية، بل بعمق الكرامة الإنسانية وحرمة الموت.
على ضفة البحر الأبيض المتوسط، ينحني ملك إسبانيا فيليبي السادس إجلالاً أمام قبور بشر ابتلعتهم الأمواج وهم يركضون نحو رمق حياة كريمة، يترحم عليهم ويمنحهم حرمة الغياب. وفي الضفة المقابلة، يرفض نظام المخزن حتى استعادة جثامين أبنائه، ليُدفنوا بعيداً عن أهلهم وأرضهم تحت أرقام باردة تختزل حكاياتهم وآلام أمهاتهم. إنها المفارقة الصارخة بين من يرى في الإنسان قيمة مطلقة، ومن يتعاطى معه كفائض عن الحاجة أو مجرد ورقة للابتزاز السياسي.
تأتي زيارة العاهل الإسباني الأولى لمدينة سبتة منذ توليه العرش عام 2014 لتضع النقاط على الحروف سياسياً وأخلاقياً؛ إذ أعلن بشكل قطعي أن سبتة ومليلية “جزء لا يتجزأ من إسبانيا وسيادة مدريد عليهما غير قابلة للنقاش”. ودُوّنت الرسالة الأكثر عمقاً بخط اليد في سجل الشرف البلدي: «كان هناك دينٌ علينا واليوم نسدّده، تعبيراً عن قرب إسبانيا بأكملها ومودتها والتزام البلاد كلها بمستقبل سكان سبتة، الذي هو مستقبل إسبانيا».
هذا الخطاب الرفيع والاستنفار السياسي الذي يصحبه اجتماع للبرلمان واستدعاء لرئيس الوزراء، كان الملك يرتدي خلال الإدلاء به بزة الجيش لمتابعة الأزمة الحدودية، يقابله صمتٌ مريب في الرباط؛ حيث تستأسد الدولة المخزنية القمعية على الشعب الصحراوي والريف الأعزل، بينما تتهاوى ادعاءاتها التوسعية أمام صلابة الموقف الإسباني.
ربما هرب الثمانون ألف مغربي صوب سبتة لأنهم أدركوا بفطرتهم المكلومة أن قيمة الإنسان —حتى وهو جثمان— تعلو في الضفة الأخرى. ففي الوقت الذي خاض فيه الشباب والأطفال أهوال البحر، كانت الرباط تغرق في مهرجاناتها وأغانيها دون تنكيس علم أو إعلان حالة طوارئ، أو حتى صدور بيان تعزية واحد يخفف عن الأسر المكلومة.
بل إن التعاطي الرسمي بلغ الذروة في التبلد الأخلاقي حين خرج وزير داخلية المخزن بعد انتظار طويل عبر الشاشات لوصف شهداء الكرامة بـ “الجثث المجهولة” باحتقار واشمئزاز يعكس فلسفة المنظومة الحاكمة، التي تقيم وزناً للتحالفات المشبوهة مع الكيان الصهيوني، ولا ترى في المواطن المغربي سوى عبء ديموغرافي.
تتجلى الحقيقة البشعة لهذا النظام في طبيعة “عدالته” الإجرائية؛ إذ تُستنفر الأجهزة الأمنية لسجن سائقي السيارات بتهمة نقل مواطنين داخل أراضيهم، وتُلاحَق المهاجرات قضائياً لمجرد قولهن الحقيقة، بينما تُكافأ ذراع السلطة الباطشة التي انهالت بالحجارة على مواطن أعزل أمام كاميرات العالم بمجرد إجراء حركة نقل له.
لو أن سرب جراد اقتحم الحدود لأُعلنت طوارئ الدولة، لكن المئات من أبناء الوطن الغرقى لا يستحقون في عرف المخزن حتى مجرد فتح تحقيق. لقد أدرك الضحايا وأهاليهم أن المخاطرة بعبور البحر —رغم قسوتها— هي المحاولة الأخيرة للظفر بكرامة أُهدرت حيةً في “أجمل بلد في الدّنيا” مثلما يرى كل مواطن في العالم بلده، لتُسترد ولو تحت ثرى قبور تحمل أرقاماً في أرض أجنبية.
رحم الله ضحايا هذه المأساة الإنسانية الناتجة عن الاستبداد والسياسات الفاشلة لنظام مخزني غاشم، وجعل الله قبورهم الشاهد الأبدي على حقبة مخزية آثرت الفرقعات الإعلامية والتحالفات المشبوهة على صيانة دماء أبنائها وكرامة شعبها.
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
