
تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «دماءٌ تروي الوطن – أخبار السعودية»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
تابع قناة عكاظ على الواتساب
في نهاية ليلةٍ ثقيلة، خرجتُ من العناية المركزة وقد أنهكني ما أنهك المستشفيات كلّها مع الحدث. ليلةٌ لم تهدأ فيها الأجراس، ولا سكنت فيها الأقدام؛ إصاباتٌ تتوالى، وأسِرّةٌ تمتلئ، وأيدٍ لا تكفّ عن العمل. كان التعب قد بلغ منّي كل مبلغ، أجرّ خطواتي في الممرّ وأنا أحسب أنّ هذه الليلة قد أخذت منّا أقصى ما تملك. ثم مررتُ ببنك الدم.. فإذا بالمشهد يعيد إليّ روحي دفعةً واحدة.
رأيتُ صفوفاً من الناس. شبابٌ وشاباتٌ من هذا الشعب السعودي العظيم، ومقيمون عاشوا على هذه الأرض فأحبّوها كأهلها، يقفون في طابورٍ هادئ، لا يطلبون شيئاً، بل جاؤوا ليُعطوا. جاؤوا ليمدّوا أذرعهم طوعاً، فتسيل دماؤهم في أكياسٍ ستجري غداً في عروق جريحٍ لا يعرفونه، ولن يعرفوه، ولا ينتظرون منه شكراً. وقفتُ لحظةً مبهوراً: هذا هو الوطن حين يُمتحَن. ليس شعاراً يُرفع، ولا كلمةً تُقال، بل دمٌ يُبذَل.
تأمّلتُ وجوههم. فيها تعبُ السهر، وفيها أيضاً نورٌ لا يخطئه النظر؛ نور من يعرف أنّه، في هذه اللحظة بالذات، يصنع شيئاً أكبر منه. لم يدفعهم إعلانٌ ولا أمر، بل دفعهم شيءٌ أعمق: أنّ هذه بلدهم، وأنّ المصاب الراقد في الطوارئ أخٌ لهم وإن لم تجمعهم صلة، وأنّ وطناً يُجرَح لا يُداوى إلا بأبنائه. رأيتُ فتاةً تخرج وقد لصقوا على ذراعها قطنةً صغيرة، فتبتسم ابتسامة من أدّى واجبه، ورأيتُ شاباً ينتظر دوره وهو يطمئنّ على من قبله. مشهدٌ بسيطٌ في ظاهره، لكنّه في حقيقته صورةُ أمّةٍ تعرف من هي.
وفي تلك اللحظة، استحضرتُ صورةً لا تغيب عن ذاكرة هذا الوطن: صورة سموّ سيدي وهو يمدّ ذراعه متبرّعاً بدمه، بين أبناء شعبه، لا فوقهم. ما أعظم القائد الذي لا يكتفي بأن يأمر، بل يتقدّم الصفّ بنفسه! حين يرى الشعبُ قائدَه يبذل دمه كما يبذلون، يدرك أنّ القيادة هنا ليست منصباً يعلو، بل عطاءٌ ينزل إلى الناس ويختلط بهم. تلك الصورة وحدها علّمت أجيالاً أنّ الوطن يُبنى بالقدوة قبل الكلام، وأنّ أشرف ما يُقدَّم للأرض أن تسقيها من دمك. ولذلك لم أستغرب ما رأيت؛ فالشعب الذي يرى قائده يتبرّع، يتسابق ليحذو حذوه.
هذه هي السعودية التي أعرفها، والتي شرُفتُ بأن أخدم مرضاها. ليست أرضاً نسكنها فحسب، بل أمٌّ نحن أبناؤها، إذا نُكبت هبّ أبناؤها من كل حدبٍ وصوب. في الليلة التي ثقلت فيها المستشفيات، لم ينتظر الناس أحداً؛ لم يقولوا «أين الدولة» ولا «أين غيرنا»، بل قالوا بأفعالهم: نحن الدولة، نحن الوطن، وهذه دماؤنا فداءً لأرضنا وأهلنا. أيّ عزٍّ هذا، وأيّ شعبٍ هذا الذي يرى في بذل دمه شرفاً لا منّة!
خرجتُ من بنك الدم وقد تبدّل كل شيء في داخلي. لم يعد التعب تعباً، ولا الليلة ليلةً خاسرة. فما قيمة سهري القليل أمام هذا العطاء العظيم؟ نحن في المستشفيات نعالج الأجساد، لكنّ هؤلاء الواقفين في الصفّ كانوا يعالجون شيئاً أكبر: يداوون الوطن بأن يبرهنوا أنّه ما زال حياً في قلوب أبنائه، نابضاً كما تنبض عروقهم.
إلى كل من وقف في ذلك الصفّ، ومدّ ذراعه، وأعطى بلا مقابل: أنتم لا تتبرّعون بالدم فحسب، بل تكتبون بأيديكم معنى الانتماء. وإلى كل سعوديٍّ ومقيمٍ أحبّ هذه الأرض: اعلم أنّ في كل قطرةٍ تبذلها حياةً تُنقَذ، ووطناً يزداد مناعةً وصلابة. فهذه الأرض التي أعطتنا الأمن والعيش والكرامة، تستحقّ أن نردّ لها الجميل، ولو من دمائنا.
لقد دخلتُ ذلك الممرّ منهكاً، وخرجتُ منه فخوراً. فخوراً بشعبٍ لا يُهزَم، وبقيادةٍ تتقدّم الصفوف، وبوطنٍ كلّما اشتدّت عليه الليالي، ازداد أبناؤه التفافاً حوله. ستمرّ الليلة، وتُشفى الجراح، ويعود كل شيء إلى مجراه. لكنّ تلك الصورة -صفوف الواقفين يبذلون دماءهم لوطنهم- ستبقى محفورةً في ذاكرتي، شاهدةً على أنّ هذا الوطن، ما دام فيه مثل هؤلاء، لن يُهزَم أبداً.
اللهم احفظ هذا الوطن الغالي، واحفظ مليكه وولي عهده، وسدّد خطاهما لما فيه خير البلاد والعباد. اللهم احفظ جنودنا البواسل الذين يسهرون على أمننا، وثبّت أقدامهم، وانصرهم نصراً عزيزاً. اللهم احفظ شعبه الكريم، وأدِم على هذه الأرض أمنها وأمانها وعزّها، واجعلها واحةً للخير والسلام ما بقي الدهر. آمين.
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
