الناشطة الصحراوية الخليفة برك لـ “دزاير توب”: واشنطن أمام اختبار الحياد… والقرار لا يُصنع نيابة عن الصحراويين

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «الناشطة الصحراوية الخليفة برك لـ “دزاير توب”: واشنطن أمام اختبار الحياد… والقرار لا يُصنع نيابة عن الصحراويين»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
بقلم: د. هناء سعادة
في خضمّ التحركات الدبلوماسية المتصلة بملف الصحراء الغربية، وتصاعد الجدل بشأن آفاق التسوية السياسية ومستقبل ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو»، تتمسك الناشطة الصحراوية الخليفة برك بأن جوهر القضية لا يكمن في هندسة صيغة تفاوضية جديدة، بل في ضمان حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، بعيداً عن أي ترتيبات تنتقص من إرادته أو تعيد تعريف القضية خارج إطارها القانوني والتاريخي.
وفي تصريح خصّت به «دزاير توب»، اعتبرت برك أن تأكيد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن القرار بشأن مستقبل الصحراء الغربية يعود إلى الصحراويين أنفسهم يجسد، في نظرها، مبدأً أساسياً في القانون الدولي، مشددة على أن «الشعب الصحراوي هو وحده صاحب السيادة على تقرير مصيره، ولا وصاية لأحد عليه».
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل استمرار الجهود الدولية الرامية إلى استئناف المسار السياسي، وما يرافقها من تباين في تصورات الحل وحدود التسوية الممكنة. فبالنسبة إلى برك، لا يمكن لأي مبادرة أن تكتسب شرعية مستدامة إذا تجاوزت أصحاب الحق الأصليين، أو تعاملت مع مستقبل الإقليم باعتباره ملفاً قابلاً للحسم عبر التفاهمات الدبلوماسية وحدها، من دون الاحتكام إلى إرادة الشعب الصحراوي.
واشنطن أدركت استحالة تجاوز البوليساريو… وأي تسوية مفروضة محكوم عليها بالفشل
وفي تعليقها على تصريحات مسعد بولس بشأن انتظار واشنطن رد جبهة البوليساريو على المقترحات المطروحة، رأت الناشطة الصحراوية أن ذلك يعكس استحالة المضي في أي تسوية من دون إشراك الجبهة، التي تصفها بأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي.
وقالت إن انتظار الرد الصحراوي يؤكد، وفق قراءتها، أن أي مسار سياسي لا يمكن أن يتجاوز الطرف الصحراوي أو يختزل القضية في تفاهمات تُصاغ بعيداً عنه. وأضافت أن المفاوضات ينبغي أن تكون عملية بين أطراف معنية، لا وسيلة لفرض تصورات أحادية أو تكريس أمر واقع.
ولا تنظر برك إلى تنامي الدور الأمريكي باعتباره ضمانة تلقائية لتسوية عادلة؛ إذ تربط جدوى هذا الدور بطبيعة الغاية التي يسعى إلى تحقيقها. وأوضحت أن واشنطن قادرة، بحكم موقعها الدائم في مجلس الأمن، على الإسهام في تحريك المسار السياسي، شرط أن تعمل على تهيئة الظروف لتقرير المصير، لا أن تحصر الخيارات في مقترح الحكم الذاتي.
وفي هذا السياق، شددت على أن المطلوب ليس مجرد استئناف الاتصالات أو الإعلان عن مبادرات جديدة، وإنما توفير مسار يتيح للشعب الصحراوي التعبير عن إرادته بشأن مستقبله. فنجاح أي تحرك دبلوماسي، بحسب موقفها، سيظل رهناً بقدرته على معالجة أصل القضية، لا الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
القرار 2797: خلاف على تأويل المسار وحدود التسوية
وتضع برك قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 في صلب النقاش الدائر بشأن مستقبل المفاوضات، معتبرة أن القرار لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تفويضاً بإغلاق ملف تقرير المصير أو تحويل القضية إلى صفقة سياسية.
وقالت إن قواعد التفاوض، في تقديرها، لا يمكن فصلها عن المرجعيات القانونية الدولية، داعية الجانب الصحراوي إلى مواصلة الانخراط في المسار السياسي مع التمسك بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، والاستناد إلى ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 1975.
ويُذكر أن مجلس الأمن اعتمد القرار 2797 في 31 أكتوبر 2025، ومدّد بموجبه ولاية بعثة «المينورسو» حتى 31 أكتوبر 2026. ويأتي ذلك في سياق مساعٍ دولية لإيجاد حل سياسي، وسط استمرار الخلاف بشأن الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها هذا الحل ومآلاته.
وبالنسبة إلى برك، فإن الخطر يكمن في التعامل مع أي قراءة سياسية للقرار باعتبارها بديلاً عن حق تقرير المصير. وهي ترى أن الانخراط في المفاوضات لا ينبغي أن يعني التخلي عن المرجعيات القانونية للقضية، أو القبول بتسوية لا تحظى بموافقة الشعب الصحراوي.
من تصفية الاستعمار إلى «نزاع إقليمي»: معركة التوصيف القانوني
ومن أكثر النقاط التي شددت عليها الناشطة الصحراوية رفضها اختزال القضية في خلاف إقليمي بين الجزائر والمغرب. وقالت إن «الصحراء الغربية ليست نزاعاً حدودياً بين الجزائر والمغرب، بل هي قضية شعب تحت الاحتلال يطالب بحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال».
وترى برك أن تغيير توصيف القضية من مسألة تصفية استعمار إلى نزاع إقليمي من شأنه أن يحجب جوهرها القانوني، ويحوّل الانتباه من حق الشعب الصحراوي إلى حسابات التوازنات الإقليمية. ولذلك، تعتبر أن الحفاظ على الصفة القانونية للقضية ليس مجرد خلاف اصطلاحي، بل عنصر أساسي في تحديد طبيعة الحل المقبول والمرجعيات التي ينبغي أن تحكمه.
ويؤكد السجل الأممي أن الصحراء الغربية مدرجة على قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي منذ عام 1963، وهو ما يضعها ضمن الملفات التي تتناولها الأمم المتحدة في إطار تصفية الاستعمار. ومن هنا، تكتسب مداولات اللجنة الرابعة للجمعية العامة، المعنية بالمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار، أهمية في إبقاء القضية ضمن سياقها الأممي.
وتعوّل برك على هذه المداولات لتجديد الاهتمام الدولي بالقضية، والضغط من أجل معالجة وضع الإقليم وحقوق سكانه، بعيداً عن أي توصيف من شأنه، في رأيها، أن يطمس طبيعة النزاع أو يهمّش حق تقرير المصير.
الثروات الطبيعية: لا شرعية اقتصادية بمعزل عن إرادة الشعب
ولا تفصل برك مستقبل التسوية السياسية عن مسألة استغلال الموارد الطبيعية للصحراء الغربية، من الفوسفات والثروة السمكية إلى المنتجات الزراعية ومشروعات الطاقة المتجددة. وتعتبر أن التصرف في هذه الموارد من دون موافقة الشعب الصحراوي يمسّ بحقوقه، ويثير أسئلة جوهرية بشأن شرعية الاتفاقات الاقتصادية التي تشمل الإقليم.
وقالت إن «هذه الثروات ملك للصحراويين»، محذّرة من أن استمرار استغلالها في ظل غياب موافقة أصحاب الحق قد يجعل الاقتصاد جزءاً من معادلة إدامة النزاع، بدلاً من أن يكون رافعة للتنمية التي تعود بالنفع على السكان المعنيين.
وتكتسب هذه المسألة بعداً قانونياً إضافياً في ضوء أحكام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي الصادرة في 4 أكتوبر 2024. فقد أكدت المحكمة أن اتفاقات الاتحاد الأوروبي والمغرب المتعلقة بالمنتجات الزراعية ومصايد الأسماك، التي شملت الصحراء الغربية من دون موافقة شعبها، أُبرمت بالمخالفة لمبدأ تقرير المصير ومبدأ الأثر النسبي للمعاهدات.
وترى برك أن هذه الأحكام تعزز ضرورة إخضاع الاتفاقات الاقتصادية المتعلقة بالإقليم لمقتضيات القانون، وتضع المؤسسات الأوروبية أمام مسؤولية احترام قرارات القضاء الأوروبي. كما دعت إلى جعل مسألة الموارد جزءاً أساسياً من أي تسوية نهائية، مع ضمانات تحول دون استمرار استغلالها بمعزل عن إرادة الشعب الصحراوي ومصالحه.
وفي هذا الإطار، طالبت بوضع آليات رقابة مستقلة وشفافة تضمن معرفة كيفية استغلال الموارد وتحديد المستفيدين من عائداتها. فالمسألة، وفق تصورها، لا تتعلق بالعوائد الاقتصادية فحسب، وإنما أيضاً بحق السكان المعنيين في تقرير مستقبل أرضهم وثرواتها.
«المينورسو» وحقوق الإنسان: تمديد الولاية لا يكفي
ومع اقتراب موعد انتهاء ولاية بعثة «المينورسو» في 31 أكتوبر 2026، دعت برك إلى تجاوز التمديد الإجرائي نحو مراجعة أكثر شمولاً لدور البعثة. وأكدت أن تمديد الولاية، على أهميته في الحفاظ على الحضور الأممي، لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في حد ذاته، أو إلى آلية لإدارة وضع جامد من دون تقدم ملموس نحو تسوية سياسية.
وطالبت بإدراج آلية لمراقبة حقوق الإنسان والإبلاغ عن الانتهاكات ضمن مهام البعثة، إلى جانب تمكينها من الإسهام في تنفيذ الغاية المرتبطة بتقرير المصير. كما دعت الأمم المتحدة إلى ضمان وصول المقررين الخاصين والمنظمات الدولية إلى الإقليم، والإفراج عن المعتقلين السياسيين الصحراويين.
وتقول الناشطة إن الوضع الحقوقي والإنساني يثير مخاوف جدية، مشيرة إلى حالات القمع والاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة والانتهاكات التي تستهدف النشطاء والصحفيين والمدافعين الصحراويين. كما لفتت إلى الصعوبات الإنسانية التي تواجه اللاجئين الصحراويين في المخيمات في ظل تقلص المساعدات.
وتؤكد هذه المطالب، في نظرها، أن أي مقاربة دولية لا يمكن أن تقتصر على وقف التصعيد أو المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار، بل ينبغي أن تشمل حماية الحقوق والحريات وتهيئة الظروف لتسوية تعالج أسباب النزاع.
«صحراويون من أجل السلام»: واجهة مصطنعة يديرها المخزن
وفي موقف شديد اللهجة، وصفت برك، تمثيلية حركة «صحراويون من أجل السلام»، بأنها «واجهة مصطنعة» تهدف إلى إيجاد بديل عن جبهة البوليساريو.
كما أكدت أن الحركة ترتبط بمصالح وأجهزة مغربية، مشيرةً إلى تقارير إعلامية إسبانية نقلت عن المركز الوطني للاستخبارات الإسباني (CNI) معطيات بشأن صلات الحركة بالمصالح المغربية، ومعتبرةً أن تقديمها بوصفها طرفاً بديلاً في أي مسار تفاوضي قد يثير إشكالاً جوهرياً بشأن شرعية التمثيل الصحراوي.
الاتحاد الأوروبي بين أحكام القضاء وحسابات السياسة
وفي معرض حديثها عن الفجوة بين الأحكام القضائية الأوروبية والمواقف السياسية لبعض الدول الأعضاء، رأت برك أن المصالح الاقتصادية والاعتبارات الدبلوماسية قد تدفع بعض الحكومات إلى تبنّي مواقف لا تنسجم مع مقتضيات احترام القانون.
ودعت الاتحاد الأوروبي ومؤسساته إلى الالتزام بأحكام محكمته، مؤكدة أن التعامل مع الصحراء الغربية في الاتفاقات التجارية لا يمكن أن ينفصل عن الوضع القانوني للإقليم وحقوق شعبه. كما توقعت تصاعد التحركات القانونية التي تستهدف الشركات والجهات المستفيدة من الموارد الصحراوية، مع اتساع دائرة اهتمام المحامين والنشطاء بهذا الملف.
وتشير أحكام محكمة العدل الأوروبية الصادرة عام 2024 إلى أن موافقة شعب الصحراء الغربية شرط لصحة القرارات المتعلقة بتطبيق اتفاقات الاتحاد الأوروبي والمغرب على الإقليم.
«كونوا وسطاء نزيهين… لا أطرافاً في النزاع»
وفي ختام حديثها لـ«دزاير توب»، اعتبرت الخليفة برك أن الصحراء الغربية تقف أمام مرحلة بالغة الحساسية، تتقاطع فيها التحركات الأمريكية مع المسار الأممي، والنقاشات القانونية بشأن الموارد الطبيعية، والضغوط الرامية إلى إيجاد صيغة سياسية للنزاع.
ووجّهت رسائل مباشرة إلى الأطراف الدولية، داعية الأمم المتحدة إلى التمسك بمبدأ تقرير المصير، والولايات المتحدة إلى أداء دور الوسيط النزيه، والاتحاد الأوروبي إلى احترام أحكام محاكمه وقواعده القانونية. كما عبّرت عن تقديرها للموقف الجزائري الداعم لحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
أما رسالتها إلى الصحراويين، فاختصرتها في التأكيد على أن مستقبلهم لا ينبغي أن يُقرّر بالنيابة عنهم: «القرار بيدكم وحدكم، ولن يقرر أحد مصيركم نيابة عنكم».
وبين حسابات القوى الكبرى، وتعقيدات المسار الأممي، والتشابك بين المصالح الاقتصادية والرهانات الدبلوماسية، تضع برك معياراً واضحاً لأي تسوية قابلة للاستمرار: ألا تتحول المفاوضات إلى غطاء لتجاوز أصحاب الحق، وألا تصبح إدارة النزاع بديلاً عن معالجته. فالمعيار الحاسم ليس عدد المبادرات المطروحة ولا سرعة التحركات السياسية، وإنما مدى قدرة أي حل على احترام إرادة الشعب الصحراوي وحقوقه وفق المرجعيات القانونية ذات الصلة.
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
