البنوك المركزية تواجه اختبارًا حقيقيًا في سوق السندات

البنوك المركزية تواجه اختبارًا حقيقيًا في سوق السندات

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «البنوك المركزية تواجه اختبارًا حقيقيًا في سوق السندات»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.

يبدو أن البنوك المركزية مترددة حاليًا في إعادة بناء حيازاتها من الديون السيادية، مع أن هذه الحيازات لعبت دورًا مهمًا في تضخم الاقتراض العام خلال العقد الماضي. وهذا يعني، في المستقبل، إما ضرورة فرض تشديد مالي غير متوقع، أو تصعيد الضغط السياسي.

تشير الانتخابات العديدة في الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا خلال العام المقبل إلى أن خفض الإنفاق بشكل كبير ليس مطروحًا على جدول الأعمال. وإذا استمرت أسواق السندات في التضييق – كما رأينا في الأسابيع الأخيرة – فسيزداد الضغط السياسي على البنوك المركزية لتحقيق الاستقرار. إذ ترى البنوك المركزية المشكلة تلوح في الأفق كحادث سيارة بطيء الحركة، فإنها تسعى إلى تعديل موقفها.

فمن جهة، ترسخ إجماع ما بعد الجائحة حول ضرورة “تطبيع” ميزانياتها العمومية المثقلة بالسندات. ويشمل ذلك نفورًا متزايدًا من استخدام تراكم السندات كأداة للسياسة النقدية. ومن جهة أخرى، يرغب صناع السياسات في إبقاء جميع الخيارات مفتوحة لإيجاد حلول مؤقتة في حال حدوث خلل في السوق أو صدمة غير متوقعة أخرى.

وقد أوضح بابلو هيرنانديز دي كوس، رئيس بنك التسويات الدولية، هذا الأسبوع بعض المبادئ لاستخدام أدوات الطوارئ في حال تدهور الأوضاع، مستشهدًا بمثال دعم بنك إنجلترا المحدود والمؤقت للسندات الحكومية البريطانية المتعثرة خلال أزمة الميزانية في 2022. وقال متحدثًا عن أدوات الطوارئ هذه: “يتمثل التحدي الرئيسي في تعزيز ثقة السوق دون الإفراط في تحفيز الاقتصاد على المدى الطويل. وينبغي للبنوك المركزية أن تسعى إلى التمييز بشكل أفضل بين برامج تحسين أداء السوق وبرامج التحفيز النقدي”.

أنظر فقط إلى موجة بيع السندات العالمية الحالية. لا تعاني الأسواق بالضرورة خللا، ورغم التأثير الواضح للحرب الإيرانية في قطاع الطاقة، لا توجد صدمة عالمية بحجم جائحة كوفيد-19 أو الأزمة المصرفية عام 2008 تبرر إعلان حالة تأهب قصوى. ومع ذلك، تواصل الأسواق إلحاق أقصى ضرر بخدمة الدين الحكومي.

إذا استمر هذا الوضع، بالتزامن مع اقتصاد مزدهر نسبياً مدعوم بالذكاء الاصطناعي ومعدلات تضخم أعلى من المستهدف، فقد يجد صناع السياسات النقدية أنفسهم في موقف بالغ الصعوبة. إذا تدخلت البنوك المركزية، فقد تتداخل الخطوط الفاصلة بين “الضمانات” والسياسة النقدية والدعم الحكومي المباشر، وقد يتعرض محافظو البنوك المركزية مرة أخرى لانتقادات بسبب تمكينهم من زيادة أعباء الدين الحكومي.

مع ذلك، قد تتوقع الحكومات في جميع أنحاء العالم المتقدم من البنوك المركزية القيام بذلك تحديداً إذا استمرت عوائد السندات السيادية في الارتفاع. تأتي أقساط خدمة الدين المتزايدة في وقتٍ تُشكّل فيه التركيبة السكانية المُتقدّمة في السن في معظم اقتصادات مجموعة الدول السبع ضغطًا كبيرًا على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية، بينما من المتوقع أن يرتفع الإنفاق الدفاعي بشكلٍ حادّ وسط توترات جيوسياسية متزايدة.

من بين الأسباب العديدة التي ذُكرت لانخفاض أسعار سندات الحكومات بشكل حاد في الأشهر الأخيرة، يبرز سؤال مهم حول الفجوة الهائلة التي خلّفها الانسحاب التدريجي للبنوك المركزية لمجموعة السبع من أكوام الديون المتضخمة التي ساهمت في تراكمها بعد 2008 في أسواق الدين. وقد دفع هذا الانخفاض تكاليف الاقتراض السيادي الأمريكي طويل الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من ربع قرن.

وقدّر معهد التمويل الدولي، ومقره واشنطن، hodvh أنه على الرغم من عودة متوسط ​​تكاليف الاقتراض الحكومي في مجموعة السبع إلى مستويات منتصف عام 2008، فإن نفقات الفائدة السنوية أعلى بنسبة 85% لأن ديون حكومات مجموعة السبع قد تضاعفت 3 مرات تقريباً لتتجاوز 60 تريليون دولار خلال تلك الفترة.

ميزانيات البنوك المركزية على مدى السنوات الـ4 الماضية. فقد بلغ إجمالي ميزانيات البنوك المركزية لدول مجموعة السبع ذروته عند أكثر من 30 تريليون دولار من السندات في أوائل عام 2022، ثم تقلص بنحو الثلث منذ ذلك الحين. وبالتزامن مع الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة التي تفرضها البنوك المركزية لكبح التضخم، اقترن هذا الخفض بمقدار الثلث بانخفاض نسبته 40% في مؤشرات السندات الحكومية طويلة الأجل لدول المجموعة، وقفزة بمقدار 4 نقاط مئوية في معدل الاقتراض الضمني المرتبط بها.

ويرى كيفن وارش -المرشح المحتمل لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي والمعروف منذ فترة طويلة بتشكيكه في سياسات توسيع الميزانية العمومية- أن مرحلة التيسير الكمي التي استمرت 18 عاماً “تقترب في جوهرها من السياسة المالية”. وقد بادر بالفعل بتشكيل فريق عمل معني بإصلاح الاحتياطي الفيدرالي لدراسة سبل تقليص حيازات الأصول في الميزانية العمومية بشكل أكبر.

وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، يواصل بنك إنجلترا بيع السندات الحكومية (الغيلتس) بنشاط، وإن كان قد وضع أخيراً خططاً لتركيز عمليات البيع على السندات قصيرة الأجل. لا يزال البنك المركزي الأوروبي يعمل بنشاط على تقليص ميزانيته العمومية -التي تعادل أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو- حتى في الوقت الذي تواجه فيه المنطقة أصداءً لأزمة ديون منطقة اليورو (التي وقعت بين عامي 2011 و2012) متمثلةً في اضطرابات بأسواق السندات الفرنسية. كما يلوح في الأفق تغيير في قيادة البنك المركزي الأوروبي، ولا يبدو أن المرشحين الأبرز لديهم رغبة في العودة إلى حقبة العقد الأول من القرن الـ21 (العقد الثاني من الألفية) وسياسات التدخل الطارئ المكثف التي انتهجها الرئيس السابق ماريو دراجي.

لطالما كان نشاط صناديق التحوط في أسواق السندات السيادية محط اهتمام الجهات التنظيمية لسنوات. ورغم الترحيب العام بالطلب والسيولة التي توفرها هذه الصناديق، إلا أن هناك قلقاً متزايداً بشأن الجانب السلبي المحتمل إذا ما أصيبت قاعدة “الأموال السريعة” هذه بحالة من التوتر أو القلق.

لقد بُذلت بعض الجهود للحد من الرافعة المالية المفرطة في أسواق السندات الحكومية، ولكن بغض النظر عن مآل تلك الجهود، فإن حجم نشاط صناديق التحوط في هذه الأسواق -وما يترتب عليه من انكشاف للبنوك وشركات التداول التي توفر لها التمويل بالرافعة المالية- يخلق بيئة أكثر عرضة للتقلب والاضطراب.

وتساعد هذه الحساسية على تفسير الاضطرابات الأخيرة في أسواق سندات الخزانة، التي يبدو أنها كانت مدفوعة بشكل رئيسي بتغيير الاحتياطي الفيدرالي لمساره فيما يتعلق بأسعار الفائدة قصيرة الأجل.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.

وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.

مصري كاتب ومحرر في جريدة مانشيت، يقدّم تغطية إخبارية ومحتوى موثوقًا يلتزم بالدقة والوضوح ومراجعة المعلومات قبل النشر.