تساءل محللون عسكريون عن جدوى إعلان بريطانيا إرسال طائرة تزود بالوقود واحدة لمساعدة السعودية في مواجهة تهديد الحوثيين في البحر الأحمر، معتبرين الخطوة لفتة دعم سياسية أكثر منها مساهمة عسكرية حاسمة.
من ضربات مباشرة إلى دعم لوجستي محدود
وفقا لصحيفة ديلي تليجراف البريطانية، أنه في يناير 2024، بدأ سلاح الجو الملكي البريطاني سلسلة غارات على مواقع الحوثيين في اليمن بأمر من رئيس الوزراء آنذاك ريشي سوناك، رداً على هجمات الجماعة المدعومة من إيران على سفن البحر الأحمر، وشاركت فيها عادة أربع مقاتلات تايفون مزودة بقنابل “بايفواي” الموجهة، مدعومة بناقلتي وقود من طراز “فويجر”.
واليوم، وبعد تقدم خاطف سيطر فيه الحوثيون على معظم الساحل الغربي لليمن، يبدو الوضع في البحر الأحمر أسوأ بكثير، إلا أن مساهمة لندن المعلنة مع استعداد آندي بورنهام لتقديم نفسه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تقتصر على طائرة “فويجر” واحدة غير فتاكة.
تهديد متصاعد للسعودية والممرات الدولية
وشن الحوثيون سلسلة هجمات على المملكة العربية السعودية، استهدفت خط أنابيب النفط الحيوي الرابط بين شرق المملكة وغربها، وضربات طالت العاصمة الرياض.
وباتت الجماعة على وشك الاستيلاء على آخر منطقة مرتفعة مهمة حول جبال كهبوب قرب معقلها، وهو ما سيمكنها في حال تحقق من قطع الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية عن البحر الأحمر تماماً، ومهاجمة الشحن الدولي بحرية.
ويتأثر الاقتصاد البريطاني بارتفاع الأسعار الناجم عن هذا الحصار الفعلي الثاني، بعد خنق إيران لمضيق هرمز.
طائرة واحدة لا تكفي
قال خبراء لصحيفة التليجراف البريطانية إن وجود أصل عسكري بريطاني في الأجواء إلى جانب المقاتلات السعودية يسمح للحكومة البريطانية بالقول إنها تتحرك، لكن العملية رمزية إلى حد كبير.
وقال ساشا بروخمان من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: “لماذا نرسل واحدة فقط؟ لقد تغيرت الأمور كثيراً في العامين الماضيين، لكن تذكروا الدور الكبير الذي لعبته المملكة المتحدة ضد داعش بين 2014 و2019. كل ما تملكه بريطانيا كان في الجو: مقاتلات ومسيرات وناقلات وقود”.
قيمة “فويجر” في معركة غير متكافئة
وأوضح بروخمان أن طائرة “فويجر” أصل مفيد لحملة الرياض، لأن نقطة ضعف السعودية في مواجهة عدو غير متكافئ مثل الحوثيين تكمن في شساعة مساحتها وآلاف الأميال المربعة غير المحمية، بما في ذلك خط أنابيب النفط.
وتفتقر طائرة A330-MRTT Voyager إلى ذراع التزود المركزي اللازم للمقاتلات الأمريكية الصنع مثل F-15، لذا تخدم عملياً ثلث المقاتلات السعودية فقط، لكنها تشمل مقاتلات “تايفون” التي تمتلك راداراً متطوراً مثالياً لدوريات قتالية فوق الأراضي التي يطلق منها الحوثيون المسيرات والصواريخ، ومعظمها ينطلق من قاعدة الملك فهد الجوية على بعد مئات الأميال شمالاً.
وأضاف: “وجود ناقلات الوقود في الجو يُحدث فرقاً، إذ يسمح بقضاء 4 إلى 6 ساعات في الموقع بدلاً من ساعتين أو ثلاث. التحرك الاستباقي وفرض رقابة مشددة على المنطقة الحدودية ورصد التهديدات يحمي فعلياً ملايين البراميل من النفط يومياً”.
حاجة هائلة تفوق قدرة طائرة واحدة
لكن إبقاء زوج من مقاتلات تايفون في الجو معظم الوقت يخلق طلباً هائلاً على التزود بالوقود، لن تخففه طائرة إضافية واحدة – يُعتقد أن بريطانيا تملك نحو 10 منها – إلا بدرجة متواضعة، في حين تمتلك السعودية نحو 20 ناقلة خاصة بها، بينها طائرات “فويجر” لتزويد التايفون والتورنادو، وطائرات بوينج بذراع طويلة لتزويد F-15.
وقال كريستوف بيرجز المتخصص في القوة الجوية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن الناقلة الإضافية ستكون مفيدة لكنها لن تكون حاسمة: “السعوديون يمتلكون هذه القدرة بالفعل. ما تسمح به طائرة إضافية هو زيادة عدد مدارات التزود بالوقود على مدار 24 ساعة”.
قيود التشغيل والسلامة
وليس من المرجح أن تعمل الطائرة كل يوم، ففي ظروف السلم تخضع “فويجر” لساعات صيانة أرضية إضافية مقابل كل ساعة طيران، ويُطلب من الأطقم الراحة بعد طلعة طويلة مدتها ست ساعات فوق السعودية، انطلاقاً على الأرجح من قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص.
ويمكن أن تتغير هذه النسب في زمن الحرب حسب المتطلبات ومستوى تقبل المخاطر، لكن بروخمان توقع أن يحافظ سلاح الجو الملكي على مستوى عالٍ من السلامة، مما يحد من ساعات الطيران، قائلاً: “نريد تجنب الحوادث والاصطدامات وإرهاق الطيارين”، مشيراً إلى مقتل ستة طيارين أمريكيين في مارس عند تحطم ناقلة KC-135 في غرب العراق في حادث لا علاقة له بنشاط العدو.
دعم سياسي بلا عودة للضربات المباشرة
وخلص بيرجز إلى أن الانتشار البريطاني “إشارة سياسية”، مضيفاً: “في ظل الوضع المتقلب للغاية في الشرق الأوسط، هذه إحدى طرق تقديم الدعم دون العودة إلى ما حدث في 2024 و2025، حيث كان هناك تحالف بريطاني أمريكي يضرب الحوثيين بمقاتلاته بنفسه”.
