سبتة ومليلية بين مدريد والرباط… الجزائر تفرض نفسها شريكا استراتيجيا لا ورقة في لعبة التوازن… بقلم المحللة سميرة بن سودة حاج جيلاني

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «سبتة ومليلية بين مدريد والرباط… الجزائر تفرض نفسها شريكا استراتيجيا لا ورقة في لعبة التوازن… بقلم المحللة سميرة بن سودة حاج جيلاني»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
صمت مغربي لافت، دعم فرنسي لمدريد، وتأجيل لزيارة الرئيس تبون يفتح الباب أمام قراءة أوسع لعلاقات إسبانيا مع جارَيها المغربيين.
ليست كل زيارة ملكية مجرد مناسبة بروتوكولية، ولا كل تأجيل لقمة دبلوماسية مجرد تعديل في جدول الأعمال.
حين يتعلق الأمر بسبتة ومليلية، فإن زيارة الملك الإسباني والملكة يومي 13 و14 أكتوبر تحمل بطبيعتها رسالة سيادية. وحين تأتي هذه الزيارة بعد أزمة حدودية غير مسبوقة، وبعد موقف فرنسي أعلن التضامن مع مدريد، ثم تتبعها مباشرة تقريباً تغيير لموعد القمة الإسبانية الجزائرية دون تحديد التاريخ فإن السؤال لم يعد يتعلق بالزيارة وحدها.
السؤال الحقيقي هو:
هل تعيد إسبانيا، بمساعدة فرنسية محتملة وبالتفاهم مع الرباط، ترتيب علاقتها بالجزائر؟
وإذا كان الأمر كذلك، فهل تقبل الجزائر بأن تتحول إلى مجرد ورقة تستخدمها مدريد لتحقيق التوازن مع المغرب؟
هذا السؤال الأخير قد يكون أهم من السؤال المتعلق برد فعل الرباط نفسه.
الصمت المغربي ليس بالضرورة قبولاً، منذ الإعلان عن زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيثيا إلى سبتة ومليلية، التزمت الرباط رسمياً بالصمت.
وهذا الصمت لافت، خصوصاً أن الزيارة السابقة للملك خوان كارلوس سنة 2007 تسببت في أزمة دبلوماسية مع المغرب، وصلت إلى استدعاء السفير المغربي من مدريد.
أما هذه المرة، فلم يصدر حتى الآن رد رسمي مماثل، لكن الصمت لا يعني بالضرورة أن المخزن تخلى عن موقفه من سبتة ومليلية.
فهو ما زال يعتبر المدينتين موضوع مطالبة ترابية، بينما تؤكد إسبانيا أنهما جزء من أراضيها، ولذلك فإن غياب الاحتجاج الرسمي يمكن قراءته باعتباره اختياراً تكتيكياً في إدارة الخلاف، وليس تغييراً في الموقف المبدئي.
تشير El País إلى أن الرباط تلتزم الصمت الرسمي تجاه الزيارة، في حين أفادت مصادر دبلوماسية إسبانية بأن الملك محمد السادس أعطى موافقته على الزيارة، وهو أمر لم تؤكده السلطات المغربية رسمياً، كما ربطت الصحيفة ذلك بسياسة التهدئة التي تحكم العلاقات بين مدريد والرباط في المرحلة الراهنة.
وهنا يجب التوقف عند نقطة دقيقة. إذا صحت معلومة «الموافقة»، فهي لا تعني أن المخزن اعترف بأن سبتة ومليلية إسبانيتان. بل يمكن تفسيرها، من زاوية سياسية، باعتبارها قبولاً بمرور الحدث من دون تحويله إلى أزمة ثنائية جديدة.
وهذا في حد ذاته تغيير مهم في أسلوب إدارة الخلاف.
لماذا تغير رد فعل الرباط؟ ربما لأن الظروف تغيرت.
في 2007 كانت العلاقة المغربية الإسبانية تمر بمرحلة أكثر توتراً، ولم تكن هناك البنية الحالية من المصالح المتبادلة في ملفات الهجرة والأمن والتجارة والاستثمار وخاصة في ملف الصحراء الغربية.
أما اليوم، فقد أصبحت مدريد والرباط مرتبطتين بشبكة مصالح تجعل التصعيد مكلفاً للطرفين.
ولهذا قد يكون الحساب المغربي مختلفاً:
إذا كانت زيارة الملك الإسباني إلى سبتة ومليلية أمراً لا يمكن لمدريد التراجع عنه، فما الفائدة من تحويلها إلى أزمة جديدة، إذا كان بالإمكان احتواؤها سياسياً؟
لكن هناك بعداً آخر أكثر حساسية.
المغرب يدرك أن أي تصعيد مع إسبانيا قد يدفع مدريد إلى الاقتراب أكثر من الجزائر.
وهنا تظهر الجزائر.
فأي أزمة كبيرة بين مدريد والرباط يمكن أن تفتح أمام الجزائر مجالاً سياسياً ودبلوماسياً كانت تفتقده خلال السنوات الأخيرة.
بمعنى آخر: كلما تصاعد الخلاف المغربي الإسباني، ازداد الخيار الجزائري بالنسبة إلى مدريد.
وهذا قد يكون أحد أسباب حرص الرباط على ألا يتحول حدث سبتة ومليلية إلى مواجهة شاملة.
الورقة الجزائرية
وهنا نصل إلى الطرف الذي يجب ألا يغيب عن التحليل.
الجزائر ليست مجرد دولة تنتظر ما ستفعله مدريد والرباط.
إنها دولة لها حساباتها ومصالحها، وتعرف جيداً أن موقعها في السياسة الإسبانية تغير منذ الأزمة التي اندلعت بين الجزائر ومدريد على خلفية تحول موقف حكومة بيدرو سانشيز من قضية الصحراء الغربية.
وفي يوليو 2026، تمت المصالحة مع الجزائر، واتفق سانشيز والرئيس عبد المجيد تبون على عقد الاجتماع رفيع المستوى بين البلدين في أكتوبر. وكان يفترض أن يشكل الاجتماع عودة رسمية إلى مستوى من التعاون السياسي الذي غاب لسنوات.
ثم حدث ما لم يكن متوقعاً: القمة أُجلت إلى أجل غير محدد.
وتقول The Objective إن السلطات الجزائرية فوجئت بالتأجيل، وإن القرار جاء بينما كانت التحضيرات الرسمية جارية بالفعل. كما ربطت الصحيفة توقيت القرار بزيارة الملك والملكة إلى سبتة ومليلية.
وهنا تصبح المسألة مختلفة تماماً.
هل تريد مدريد من الجزائر أن تنتظر؟
إذا كانت إسبانيا تحاول في الوقت نفسه تهدئة المغرب وإعادة بناء العلاقة مع الجزائر، فإنها تواجه معضلة صعبة.
فالرباط تريد من مدريد أن تراعي حساسيتها في القضايا المرتبطة بالحدود والصحراء الغربية.
والجزائر، في المقابل، لا تريد أن تتحول علاقتها مع إسبانيا إلى أداة تستخدمها مدريد كلما أرادت الضغط على المغرب، ثم يتم تجميدها عندما تحتاج إسبانيا إلى طمأنة الرباط.
وهنا يمكن أن يكون التأجيل قد أنتج مشكلة أكبر مما كان يفترض أن يحلها.
لأن الجزائر قد تقرأ الرسالة على النحو التالي:
عندما تحتاج إسبانيا إلى الجزائر، تكون الجزائر شريكاً استراتيجياً؛ وعندما تحتاج إسبانيا إلى تثبيت العلاقة مع المغرب، تصبح القمة مع الجزائر قابلة للتأجيل.
إذا ترسخ هذا الانطباع في الجزائر، فإن مدريد لا تعود تدير مجرد جدول مواعيد.
إنها تخاطر بإعادة إنتاج الأزمة التي حاولت إنهاءها.
الجزائر ليست ورقة توازن: هذه ربما تكون أهم نقطة في التحليل كله.
قد ترغب مدريد في إقامة علاقات جيدة مع المغرب والجزائر في الوقت نفسه، وهذا أمر طبيعي ومفهوم من منظور المصالح الإسبانية، لكن الجزائر لن تقبل بالضرورة أن تكون أداة في هذه المعادلة.
فالجزائر تملك أوراقاً خاصة بها: الطاقة، الأمن، الساحل، الهجرة، العلاقات مع دول جنوب أوروبا، وعلاقاتها مع فرنسا وإيطاليا وألمانيا وغيرها.
كما أن الجزائر تنظر إلى التنافس المغربي الجزائري باعتباره صراعاً استراتيجياً طويل الأمد، وليس مجرد خلاف ظرفي يمكن لإسبانيا أن تستخدمه لإعادة ضبط علاقاتها مع الطرفين.
لذلك فإن أي محاولة إسبانية لاستخدام التقارب مع الجزائر كوسيلة لإقناع المغرب بتقديم تنازلات، أو استخدام التقارب مع المغرب كورقة للضغط على الجزائر، قد تأتي بنتيجة عكسية.
الجزائر يمكن أن تتعاون مع مدريد، لكنها لن تكون بالضرورة أداة مدريد في إدارة علاقتها بالرباط. وهذا هو الاختبار الحقيقي للسياسة الإسبانية.
ماكرون والحلقة الفرنسية
في هذه النقطة يدخل إيمانويل ماكرون. خلال زيارته لإسبانيا في نهاية سبتمبر، أعلن الرئيس الفرنسي تضامنه مع مدريد خلال أزمة سبتة، بينما أكد سانشيز أن ماكرون اتصل به خلال الأزمة وأعرب عن دعمه لإسبانيا.
وهذا مهم لأن فرنسا ليست طرفاً هامشياً في المعادلة المغاربية.
باريس لها علاقات عميقة مع المغرب، وعلاقات استراتيجية مع الجزائر رغم أنها تمر بمرحلة برودة وفي الوقت نفسه علاقة أوروبية وأمنية قوية مع إسبانيا.
ومن هنا تنشأ فرضية أكثر تعقيداً: هل يمكن أن تكون باريس قد لعبت دوراً في إدارة التوازن بين مدريد والرباط، بما في ذلك تخفيف تداعيات زيارة الملك إلى سبتة ومليلية؟
ثم يأتي السؤال الأكثر جرأة:
هل كان تأجيل لقاء الرئيس تبون جزءاً من هذا التوازن؟
من الخطأ اختزال الموقف المغربي في رفض زيارة الملك.
فالرباط قد تكون أمام حساب أكثر تعقيداً.
هي لا تستطيع منع الملك الإسباني من دخول سبتة ومليلية، ولا تستطيع إجبار مدريد على إلغاء الزيارة.
لكنها تستطيع أن تختار مستوى الرد.
وهنا توجد عدة خيارات:
احتجاج دبلوماسي محدود.
صمت رسمي.
رسائل غير مباشرة.
تحريك النقاش السياسي والإعلامي الداخلي.
أو، في حالة التصعيد، استخدام ملفات أخرى في العلاقة الثنائية على رأسها ملف الهجرة
لكن خيار التصعيد يحمل مخاطرة واضحة:
إذا دفعت الرباط مدريد إلى أحضان الجزائر، فإنها قد تحصل على نتيجة عكسية تماماً. ولهذا قد يكون أفضل رد مغربي ــ من منظور إدارة المصالح ــ هو الرد المحدود.
ليس لأن الرباط قبلت بالزيارة، وإنما لأنها لا تريد أن تمنح الجزائر مكسباً استراتيجياً مجانياً.
وماذا تريد الجزائر؟
الجزائر، في المقابل، قد تكون أمام معادلة مختلفة.
إذا استقبلت مدريد الرئيس تبون بعد أيام قليلة من زيارة الملك إلى سبتة ومليلية، كان بإمكان الجزائر أن تقول إن علاقتها بإسبانيا مستقلة عن الخلاف المغربي الإسباني.
أما تأجيل القمة فيمنحها سبباً للتساؤل:
هل أصبحت العلاقات الجزائرية الإسبانية رهينة للعلاقة المغربية الإسبانية؟
إذا كانت الإجابة التي تستخلصها الجزائر هي نعم، فإن ذلك سيضر بمحاولة سانشيز إعادة بناء الثقة مع الرئيس تبون.
وهنا تكمن المفارقة:
قد تكون مدريد قد أجلت القمة لتفادي مشكلة مع المغرب، لكنها قد تكون بذلك صنعت مشكلة جديدة مع الجزائر.
مدريد أمام معادلة مستحيلة؟
المعادلة الإسبانية تبدو على هذا النحو:
المغرب: شريك أساسي في الهجرة والأمن والتجارة.
الجزائر: شريك أساسي في الطاقة والأمن والعلاقات المغاربية.
فرنسا: شريك أوروبي رئيسي، ولها علاقات مباشرة مع الطرفين.
سبتة ومليلية: قضية سيادية لا تستطيع مدريد التعامل معها باعتبارها مجرد ورقة تفاوضية.
ولهذا فإن أي خطوة تجاه طرف تؤثر بالضرورة على حسابات الطرفين الآخرين.
زيارة الملك ليست مجرد زيارة إلى مدينتين.
وتأجيل قمة الجزائر ليس مجرد تغيير في الموعد.
وموقف ماكرون ليس مجرد مجاملة دبلوماسية.
عندما توضع الأحداث الثلاثة بجانب بعضها، تظهر صورة أكثر تعقيداً:
إسبانيا تحاول تثبيت سيادتها على سبتة ومليلية، الحفاظ على التفاهم مع المغرب، وفي الوقت نفسه إعادة بناء العلاقة مع الجزائر، بينما تحاول فرنسا حماية مصالحها في غرب المتوسط.
لكن السؤال هو: هل يمكن فعل كل ذلك في الوقت نفسه؟
الفرضية الأكثر إثارة
يمكنني كمحللة أن اذهب أبعد من ذلك.
ربما يكون المغرب قد أدرك أن التصعيد ضد زيارة الملك لن يخدم مصالحه.
وربما تكون مدريد قد أدركت أن استقبال الرئيس تبون مباشرة بعد الزيارة يمكن أن يرسل رسالة إلى الرباط لا تريد إرسالها في هذه اللحظة.
وربما تكون باريس قد شجعت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على إدارة المرحلة بأقل قدر ممكن من الاحتكاك.
لكن هناك طرفاً رابعاً في هذه المعادلة.
الجزائر.
والجزائر قد تقول لمدريد:
نحن لسنا أداة لتحقيق التوازن بينكم وبين الرباط.
وهنا تصبح القمة المؤجلة أكثر من مجرد قمة مؤجلة.
إنها اختبار لمدى استقلالية السياسة الإسبانية تجاه الجزائر.
إذا عادت مدريد وحددت موعداً جديداً قريباً، فقد يكون التأجيل مجرد إعادة ترتيب للتوقيت.
أما إذا استمر الغموض طويلاً، فقد تقرأ الجزائر الأمر باعتباره مؤشراً على أن العلاقة مع مدريد أصبحت محكومة بدرجة أكبر بالحسابات المغربية.
وهذا سيكون تطوراً مهماً في ميزان العلاقات المغاربية.
بين الرباط ومدريد والجزائر: من يملك ورقة الضغط؟
في النهاية، قد يكون الخطأ هو البحث عن «الفائز» في هذه اللعبة.
فلا المغرب يستطيع بسهولة التخلي عن إسبانيا، ولا إسبانيا تستطيع التخلي عن المغرب، ولا الجزائر تحتاج إلى إسبانيا بالقدر الذي يجعلها تقبل بأي شروط، ولا تستطيع مدريد أن تتجاهل الجزائر.
الجميع يحتاج إلى الجميع.
ولهذا فإن ما يجري قد لا يكون مواجهة بين ثلاثة أطراف، بل عملية تفاوض مستمرة حول حدود ما يستطيع كل طرف أن يطلبه من الآخر.
زيارة الملك إلى سبتة ومليلية هي رسالة إسبانية واضحة.
الصمت المغربي هو، في حد ذاته، اختيار سياسي.
تأجيل القمة مع الجزائر هو رسالة تحتاج إلى تفسير.
وموقف ماكرون يضيف بعداً أوروبياً إلى المعادلة.
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث لمدريد هو أن تكتشف أن محاولة المحافظة على التوازن بين الرباط والجزائر يمكن أن تدفع أحد الطرفين إلى الاعتقاد بأنه أصبح مجرد أداة في هذا التوازن.
فالجزائر قد تقبل بأن تكون شريكاً لإسبانيا، لكنها لن تكون بالضرورة ورقة إسبانية في إدارة العلاقة مع المغرب.
وهنا تحديداً سيظهر، بعد 13 و14 أكتوبر، ما إذا كانت مدريد قد نجحت في إدارة التوازن الثلاثي، أم أنها فتحت، من حيث لا تريد، جبهة جديدة مع الجزائر.
المحللة سميرة بن سودة حاج جيلاني
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
