
تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «ماكيلي.. الطفل القائد من الشرطة إلى جدة»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
في 28 يناير 1983، بدأت في ويلمستاد، عاصمة كوراساو، قصة طفل لم يكن يعلم أنه سيصبح بعد عقود أحد أشهر الحكام الهولنديين في كرة القدم العالمية. هناك، في الجزيرة الواقعة جنوب البحر الكاريبي، ولد داني ديسموند ماكيلي ابنًا لعائلة عسكرية كان والده أحد أفرادها، قبل أن تعود الأسرة إلى هولندا، ويبدأ الطفل رحلة مختلفة تمامًا، قادته من ملاعب المدارس الصغيرة إلى أكبر مسارح كرة القدم في العالم.
لم يمض ماكيلي أعوام طفولته الأولى في كوراساو، فعندما عاد والداه إلى هولندا كان لا يزال طفلًا صغيرًا، ونشأ لاحقًا في دوردريخت. وهناك، في البيئة الجديدة، ظهرت مبكرًا إحدى السمات التي ستصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من شخصيته التحكيمية وهي حب القيادة وتحمل المسؤولية.
يقول ماكيلي نفسه إن ميله إلى التحكيم بدأ منذ الصغر، وإنه كان يستمتع في المدرسة بقيادة الأنشطة الرياضية وعندما بلغ العاشرة، بدأ فعليًا تحكيم مباريات كرة القدم وكرة السلة، لتتحول اللعبة التي كانت في البداية نشاطًا لطفل صغير إلى مشروع حياة.
ولم تكن البيئة الأسرية بعيدة عن تشكيل هذه الشخصية، فقد وصف ماكيلي عائلته بأنها «عائلة عسكرية»، موضحًا أن والده كان في الجيش، وأن عددًا من أعمامه وشقيقه ساروا في المسار نفسه، بينما اختار هو لاحقًا العمل في الشرطة. وفي منزل يعتمد على التنظيم والانضباط والقيم واحترام الآخرين، وجد ماكيلي مبادئ سترافقه لاحقًا في مهنتين لا تقلان اعتمادًا على القانون والانضباط، وهما الشرطة والتحكيم.
وكان والده، على وجه الخصوص، شخصية مؤثرة في بدايته. فقد تحدث ماكيلي عن الدور الذي لعبه في مسيرته المبكرة، إذ كان لا يزال صغيرًا ولا يملك رخصة قيادة عندما بدأ التنقل إلى المباريات، فكان والده يشجعه ويقوده إلى ملاعبه. ووصفه بأنه كان من أكبر داعميه، وأن دعمه كان مهمًا للغاية في تلك المرحلة.
وبعيدًا عن التحكيم، يكشف ماكيلي عن شخصية أكثر هدوءًا، فهو يقول إنه يميل إلى معالجة مشاعره داخليًا، وعندما يعود إلى منزله يجد راحته في مشاهدة الأفلام والاستماع إلى الموسيقى. وتكشف اختياراته عن ميول واضحة، فهو يحب أفلام الشرطة والقصص المبنية على أحداث حقيقية، بينما يفضل موسيقى البوب والأغاني القديمة والموسيقى الكلاسيكية الهادئة والموسيقى الكلتية، ولا يميل إلى الموسيقى الصاخبة.
التحكيم لم يكن مجرد هواية بالنسبة إلى الفتى القادم من دوردريخت، ففي سن العاشرة بدأ الصافرة، وفي السادسة عشرة حصل على التأهيل التحكيمي، ثم أخذ يصعد درجات السلم تدريجيًا حتى وصل إلى كرة القدم الاحترافية. وفي الثانية والعشرين من عمره أدار أول مباراة احترافية، وهي اللحظة التي بدأت فيها الموهبة المبكرة تتحول إلى مسار مهني حقيقي.
وفي سبتمبر 2009، وصل ماكيلي إلى الدوري الهولندي الممتاز «إيريديفيزي»، ليصبح أحد أصغر الحكام الذين ظهروا في المسابقة. وبعد عامين فقط، جاء التحول الدولي، إذ أدرج الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» اسمه ضمن قائمة الحكام الدوليين عام 2011، وفق ما هو مدون في بيانات «فيفا» الرسمية.
ومنذ دخوله القائمة الدولية، اتسعت دائرة ماكيلي بسرعة، انتقل من المسابقات الهولندية إلى المنافسات الأوروبية، وظهر في دوري أبطال أوروبا والدوري الأوروبي وبطولات المنتخبات، كما عمل حكمًا لتقنية الفيديو «VAR» في كأس العالم 2018 في روسيا، قبل أن يتحول لاحقًا إلى حكم ساحة في أكبر البطولات.
ولم يكن الطريق إلى القمة خاليًا من العمل خارج كرة القدم. فقد عمل ماكيلي في الشرطة الهولندية لأعوام طويلة، وكان وجوده في المؤسسة الأمنية امتدادًا طبيعيًا للتنشئة التي تلقاها في عائلة عسكرية. وفي 2023 أعلنت الجمعية الملكية الهولندية لكرة القدم «KNVB» انتقاله من الشرطة إلى العمل داخل الاتحاد، ليتولى منصب رئيس التحكيم في المسابقات الوطنية للهواة، مع مسؤولية تعيين وتطوير نحو 250 من مسؤولي التحكيم. وبذلك لم يعد ماكيلي يكتفي بإدارة المباريات، بل أصبح أيضًا جزءًا من عملية صناعة وتطوير الحكام الجدد.
وكانت إحدى أهم محطات مسيرته الأوروبية نهائي الدوري الأوروبي عام 2020، عندما اختير لإدارة مواجهة إشبيلية وإنتر ميلان في كولونيا الألمانية. وكان اختيارًا ذا دلالة في مسيرة الحكم الهولندي، الذي قال قبل المباراة إن فترة توقف كرة القدم بسبب جائحة كورونا جعلته يدرك بصورة أكبر قيمة التحكيم واللعبة بالنسبة إليه، وانتهت المواجهة بفوز إشبيلية 3ـ2.
ثم جاءت بطولة أوروبا 2020، التي نظمت في 2021، لتمنحه واحدة من أكبر فرصه الدولية.
أدار ماكيلي مباريات في البطولة، من بينها مواجهة إنجلترا وألمانيا في دور الـ16، قبل أن يقود نصف النهائي بين إنجلترا والدنمارك على ملعب ويمبلي. وكان ذلك تحقيقًا لحلم ظل يرافقه منذ أن بدأ التحكيم وهو في العاشرة. وقد وصف بنفسه التحكيم في بطولة كبرى بأنه «حلم منذ الطفولة».
ثم وصل إلى كأس العالم. ففي نسخة روسيا 2018 كان حضوره من بوابة تقنية الفيديو، قبل أن يصبح حكم ساحة في مونديال قطر 2022، وأدار مباراتي إسبانيا وألمانيا، والأرجنتين وبولندا.
ولم يتوقف الحضور المونديالي عند قطر. ففي أبريل 2026 أعلن الاتحاد الهولندي أن «فيفا» اختار ماكيلي ضمن حكام كأس العالم 2026 في كندا والمكسيك والولايات المتحدة، ليخوض البطولة للمرة الثالثة، والثانية حكمًا للساحة بعد مشاركته في 2018 بصفته حكم فيديو. ووصف الاتحاد الهولندي المشاركة في كأس العالم بأنها أعلى ما يمكن أن يصل إليه الحكم.
وفي مونديال 2026، أدار ماكيلي ثلاث مباريات، بينها مواجهات الولايات المتحدة وباراجواي، والمغرب وهايتي، وفرنسا والسويد في دور الـ32، ليضيف فصلًا جديدًا إلى مسيرته الدولية.
وعلى مستوى دوري أبطال أوروبا، أصبح اسمه واحدًا من الأكثر حضورًا في البطولة. وتظهر السجلات الإحصائية للمسابقة أن ماكيلي وصل إلى 60 مباراة في دوري الأبطال، أشهرها في الأعوام الأخيرة مواجهة أتلتيكو مدريد وأرسنال في نصف نهائي موسم 2025ـ2026، التي انتهت بالتعادل 1ـ1 وشهدت احتساب ركلتي جزاء. كما أدار مواجهات كبيرة أخرى، بينها بايرن ميونيخ وأرسنال في ربع نهائي موسم 2023ـ2024، وريال مدريد وتشيلسي في نصف نهائي 2020ـ2021، وفياريال وليفربول في نصف نهائي 2021ـ2022. وتؤكد قاعدة بيانات المباريات وصول رصيده في دوري الأبطال إلى 60 مباراة.
ووفقًا لموقع ترانسفير ماركت أدار ماكيلي 790 مباراة نحو مباراة، أشهر خلالها 2540 بطاقة صفراء، و93 حمراء بعد إنذار ثانٍ، و94 حمراء مباشرة، فيما احتسب 240 ركلة جزاء.
وفي الوقت الذي كان فيه ماكيلي يشق طريقه في كرة القدم الأوروبية، ظل يحمل معه شيئًا من الطفل الذي نشأ في دوردريخت، فهو يصف نفسه بأنه منافس بطبعه، ولا يحب الخسارة، ويقول إنه يريد دائمًا الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة وتحقيق أعلى مستوى من الجودة. وربما يفسر ذلك جزءًا من استمراره في التحكيم على أعلى المستويات لأكثر من عقد ونصف.
ولم ينسَ ماكيلي أيضًا المكان الذي بدأ منه كل شيء، فكوراساو، على الرغم من مغادرته لها في طفولته، بقيت جزءًا من هويته وذاكرته. أما هولندا، وتحديدًا البيئة التي نشأ فيها، فكانت المكان الذي تشكلت فيه شخصيته الرياضية والمهنية، من طفل يحب قيادة الأنشطة المدرسية إلى حكم دولي يتولى مسؤولية مباريات يشاهدها الملايين.
وفي الثالث من أكتوبر 2026، يعود ماكيلي إلى جدة، لكن هذه المرة بعيدًا عن ملاعب أوروبا وكأس العالم. فقد اختارته لجنة الحكام في الاتحاد الخليجي لكرة القدم لإدارة نصف نهائي «خليجي 27» بين الإمارات وعُمان على ملعب الأمير عبد الله الفيصل، بمساعدة مواطنيه هيسيل ستيجسترا ويان دي فريز، بينما يتولى العراقي زيد ثامر مهمة الحكم الرابع، والهولندي أروين بلانك مسؤولية حكم الفيديو «VAR».
وهكذا يصل ماكيلي إلى جدة وهو يحمل أكثر من أربعة عقود من العمر، وأكثر من ثلاثة عقود منذ أمسك الصافرة للمرة الأولى، وبين الشرطة التي عمل فيها أكثر من عقدين، والاتحاد الهولندي الذي انتقل إليه لتطوير الحكام، ومباريات دوري الأبطال، ونهائي الدوري الأوروبي، وبطولات أوروبا وكأس العالم، تبدو مسيرة داني ماكيلي وكأنها استمرار منطقي لطفولة استندت على قاعدة أن تكون في موقع المسؤولية، وأن تعرف القواعد، وأن تمتلك الشجاعة لتطبيقها.
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
