
تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «سوق الفحم الحراري المنقول بحراً في آسيا تنكمش ببطء شديد»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
تشهد سوق الفحم الحراري المنقول بحراً في آسيا وتيرة تغير بطيئة للغاية، حيث يتنافس انخفاض طفيف في الطلب مع انخفاض مماثل في الطفافة في العرض خلال السنوات المقبلة. وهذا يعني أن التوقعات طويلة الأجل للأسعار ستعتمد إلى حد كبير على أي من جانبي العرض أو الطلب سينخفض بوتيرة أسرع قليلاً من الآخر.
تهيمن آسيا على حركة التجارة البحرية لهذا النوع من الفحم الأكثر استخداماً في توليد الكهرباء، إذ تستحوذ على ما يقرب من 90% من أحجام التداول في السنوات الأخيرة.
وقد بلغت واردات القارة المنقولة بحراً ذروتها عند 898.2 مليون طن متري في 2024 – وفقاً لبيانات جمعتها شركة “كبلر” (Kpler) لتحليل بيانات السلع – قبل أن تنخفض قليلاً إلى 856.3 مليون طن في 2025. ومن المتوقع أن تسجل الواردات انخفاضاً آخر في عام 2026، مع قيام كبار المستوردين – الصين والهند – بتخفيف الطلب في ظل ارتفاع الأسعار الناجم عن التداعيات الأوسع للحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران.
وكان مشهد تراجع وتيرة كل من الطلب والعرض محوراً رئيسياً للنقاش في مؤتمر “سي تي آسيا” (CT Asia) لهذا العام، الذي عُقد في جزيرة بالي الإندونيسية ويُعد أكبر تجمع لصناعة الفحم على مستوى العالم. لكن بدلاً من النظرة التشاؤمية، يرى معظم المشاركين في سوق الفحم أن الانكماش التدريجي لسوق الفحم الحراري المنقول بحراً أمر إيجابي إلى حد كبير.
وتتمثل وجهة النظر هذه في أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط الخام والمنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال – نتيجة لتقييد الصادرات من الشرق الأوسط – قد أطال بلا شك العمر الافتراضي لاستخدام الفحم في آسيا.
يأتي الفحم الحراري المنقول بحراً في الغالب من إندونيسيا (أكبر مُصدّر في العالم) وأستراليا، وكلا البلدين المُنتجين لا يعتمدان على ممرات الشحن الحساسة (نقاط الاختناق) مثل مضيق هرمز في الشرق الأوسط. تواجه كبرى الجهات الأخرى الموردة لآسيا —وهي جنوب إفريقيا وروسيا والولايات المتحدة— تكاليف شحن مرتفعة، لكنها تُعتبر أيضاً منتجين يتمتعون بموثوقية نسبية. ومع ذلك، تكمن القضايا الرئيسية المتعلقة بجانب العرض في إندونيسيا، التي تحولت بشكل متزايد إلى سوق تحركها السياسات الحكومية بدلاً من الاستجابة لأساسيات السعر والطلب. وهناك عاملان رئيسيان يجب النظر إليهما فيما يخص إندونيسيا؛ أولهما إجمالي كمية الفحم التي تسمح الحكومة لشركات التعدين بإنتاجها.
الإنتاج والطلب المحلي
سجل إنتاج الفحم الإندونيسي مستوى قياسياً في عام 2025 بلغ نحو 790 مليون طن، ما دفع الحكومة إلى فرض تخفيضات لعام 2026 في إطار مساعيها للحد من الصادرات، وبالتالي رفع الأسعار من خلال تقليص المعروض في سوق الشحن البحري. ورغم عدم وضوح حجم الفحم الذي سيتم استخراجه هذا العام بدقة، إلا أن التوقعات السائدة تشير إلى انخفاض الإنتاج بنحو 60 مليون طن.
كما ذكر ممثلون عن صناعة الفحم، خلال محادثات غير رسمية في مؤتمر “CT Asia”، أنهم يعتقدون أن الحكومة حريصة على وضع سقف لإنتاج الفحم عند مستوى 700 مليون طن سنوياً تقريباً. أما العامل الثاني المؤثر في سوق الفحم الإندونيسي فهو الارتفاع القوي والمستمر في الطلب المحلي، ولا سيما من قطاع معالجة المعادن.
تُعد إندونيسيا أكبر منتج للنيكل في العالم، وهي تعمل حالياً على توسيع قدراتها الإنتاجية في مجال معادن أخرى، مثل الألمنيوم. وتتطلب عمليات تحويل خامات المعادن إلى منتجات معدنية نصف مكررة أو نهائية استهلاكاً كثيفاً للطاقة، وتأتي النسبة الأكبر من هذه الطاقة من الفحم.
وقد ارتفعت مبيعات الفحم للمستهلكين المحليين بمعدل نمو سنوي مركب بلغ 11.1% في الفترة ما بين عامي 2015 و2025، لتشكل حالياً 31% من إجمالي الطلب على الفحم في إندونيسيا، وذلك وفقاً للبيانات التي عرضها توبي هاسال، رئيس أبحاث الفحم في شركة “LSEG”، خلال المؤتمر.
وإذا ظل إجمالي إنتاج الفحم في إندونيسيا ثابتاً إلى حد كبير مع استمرار ارتفاع الطلب المحلي، فلن يكون هناك بديل سوى انخفاض حجم الإمدادات الموجهة إلى سوق الشحن البحري. يتمثل العامل المجهول في ما إذا كانت الحكومة ستتحرك للحفاظ على استقرار مستويات الإنتاج، أم ستسمح لشركات التعدين بزيادة الإنتاج؛ وحتى في حال حدوث ذلك، تظل هناك تساؤلات حول حجم الكميات الإضافية التي يمكن إنتاجها وتصديرها بجدوى اقتصادية.
وخارج نطاق إندونيسيا، يبدو وضع الإمدادات ضعيفاً؛ إذ يواجه الإنتاج الجديد في أستراليا قيوداً ناجمة عن صعوبة الحصول على التراخيص ونقص رأس المال المتاح، في حين تعاني جنوب إفريقيا قيودا تتعلق بالنقل عبر السكك الحديدية.
سياسة الصين
أما على جانب الطلب، فتوجد تحديات مماثلة، حيث يُنظر إلى الصين -أكبر مشترٍ للفحم- باعتبارها سوقاً تحركها السياسات الحكومية إلى حد كبير. لقد سجلت واردات الفحم تراجعاً في النصف الأول من العام، لكنها عاودت الارتفاع بعد انخفاض الإنتاج المحلي؛ وجاء هذا الانخفاض في أعقاب سلسلة من عمليات التفتيش المتعلقة بالسلامة إثر حادث أودى بحياة 82 عاملاً في قطاع التعدين خلال مايو.
غير أن الاتجاه العام يشير على الأرجح إلى تباطؤ الواردات المنقولة بحراً، وذلك مع تزايد استحواذ مصادر الطاقة المتجددة على حصة الفحم في السوق وتعافي الإنتاج المحلي. وقد تشهد الهند -ثاني أكبر مستورد للفحم في العالم- انخفاضاً في الواردات المنقولة بحراً والمخصصة لتوليد الطاقة مع ارتفاع الإنتاج المحلي، إلا أنها من المرجح أيضاً أن تزيد من مشترياتها من الفحم لصالح القطاعات الصناعية، مثل صناعة الأسمنت.
كما يُتوقع أن تشهد كل من اليابان وكوريا الجنوبية -ثالث ورابع أكبر المشترين- تراجعاً في الواردات بمرور الوقت، مع وصول محطات الطاقة العاملة بالفحم، ويتم استبدالها بمصادر الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي المسال. من غير المرجح أن تعوض زيادة الطلب من مستوردين أصغر حجماً – مثل فيتنام والفلبين وبنجلاديش – بشكل كافٍ عن انخفاض الطلب لدى كبار المشترين الأربعة.
كان رأي معظم العاملين في هذا القطاع خلال مؤتمر “سي تي آسيا” (CT Asia) أن الانخفاض في إمدادات الفحم الحراري المنقول بحراً سيكون طفيفاً، ولكنه أسرع قليلاً من وتيرة تراجع الطلب. وهذا يعني أن الأسعار ستظل مستقرة نسبياً على الأرجح، رغم أنها تظل عرضة للتقلبات الناجمة عن أحداث غير متوقعة، مثل عمليات التفتيش على المناجم في الصين هذا العام، أو انقطاع الإمدادات بسبب الأحوال الجوية في أستراليا أو إندونيسيا في سنوات سابقة.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز ومتخصص في شؤون الطاقة
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
