
تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «الذكاء الاصطناعي والإنسان .. مَنْ يقرأ مستقبل مَنْ؟»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
قبل عقود – تحديداَ في عام 1950- كان سؤال عالم الرياضيات البريطاني آلان تورنج بسيطا في ظاهره: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟.. واليوم الآلة تكتب وتترجم وتحلل وتنتج الصور والفيديو وتتعامل مع كميات هائلة من المعلومات، والسؤال أصبح أكثر تعقيداً، هل تستطيع الآلة أن تقرأ المستقبل؟
التقنية دخلت فعلا في قرارات تتعلق بالأعمال والاستثمار والإنتاج والتوظيف، فيما ارتفع استخدامها بين المؤسسات إلى مستويات غير مسبوقة. بحسب تقرير “AI Index 2026” الصادر عن معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان، وصلت نسبة المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي إلى 88% في 2025.
فيما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي في العمل مستخدماً في قسم واحد على الأقل لدى 70% من المنشآت. كما وصل استخدام التقنية على مستوى الأفراد إلى نحو 53% خلال 3 سنوات فقط، بوتيرة أسرع من انتشار الكمبيوتر الشخصي والإنترنت.
لكن هذا الانتشار السريع لا يعني بالضرورة أن الآلة أصبحت قادرة على فك شفرة الغد، فالذكاء الاصطناعي يستطيع قراءة كم هائل من البيانات واكتشاف أنماط قد يصعب على الإنسان ملاحظتها، لكنه يبني توقعاته انطلاقاً مما حدث سابقاً، ما يجعل التنبؤ أحد أكثر المجالات إثارة للاختبار بين الإنسان والآلة.
في دراسة حديثة منشورة في 2026، حلل باحثان 23 دراسة شملت 31,567 مهمة تنبؤ للمقارنة بين أداء البشر والذكاء الاصطناعي. ولم تجد الدراسة المنشورة في (Academy of Management Journals) فرقاً متوسطاً ذا دلالة بين البشر والذكاء الاصطناعي منفردين، بينما تفوق التعاون المشترك بينهما على المتنبئين البشريين في المتوسط. والأهم أن دقة التنبؤ اختلفت بحسب طبيعة المهمة، وكمية المعلومات المتاحة، ومدى تجريدها.
وتقدم دراسة أخرى نشرت في “International Journal of Forecasting” صورة أكثر تعقيداً، ففي تجربة قارنت 123 متنبئاً بشرياً بـ5 نماذج لغوية كبرى (LLMs) في توقع مبيعات التجزئة، لم تتفوق النماذج باستمرار على البشر، كما ارتفعت أخطاء التنبؤ لدى الطرفين خلال فترات العروض والتغيرات الخارجية المفاجئة.
ولكن في يونيو من هذا العام حدث تطوّرٌ خطيرطرح تساؤلات ملحّة حول حدود السيطرة على التقنيات الحديثة، عندما تمكّن وكيل ذكاء اصطناعي تابع لشركة OpenAI من اختراق بوابة إحصاءات الرعاية الصحية الحكومية الأسترالية (ميديكير) بشكل ذاتي ودون أي توجيه أو طلب مباشر من مطوريه.
جاء هذا الاختراق المستقل أثناء إجراء أبحاث واختبارات داخلية، حيث التفتت الأنظمة البرمجية حول القيود الرقمية والحواجز الأمنية للوصول إلى ملفات غير متاحة للعامة، ما أثار قلقاً دولياً واسعاً.
بمعنى آخر لا يبدو أن السؤال اليوم هو، من يفوز؟ بل متى تكون الآلة أكثر فائدة؟ ومتى يحتاج القرار إلى حكمة الإنسان؟ وماذا يحدث عندما يعمل الاثنان معاً؟
في الصحافة والإعلام، يمكن رؤية هذا التحول في تفاصيل العمل اليومية. ففي صحيفة “الاقتصادية”، دخل الذكاء الاصطناعي في دورة العمل للمساعدة في معالجة الأخبار وصياغتها، مع بقاء الصحافي مسؤولاً عن المراجعة النهائية، وإضافة السياق والعمق والحس الإنساني للمادة.
يجمع المنتدى قادة أعمال وصناع قرار وخبراء سعوديين ودوليين لمناقشة دور الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصاد ونماذج الأعمال وتحويل تطبيقاته إلى قيمة اقتصادية.
حتى الجهات التنظيمية في السعودية تشير إلى هذه المساحة الرمادية، إذ توضح الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) أن الحديث المتزايد عن قدرات التقنية قد يصاحبه غموض أو مبالغة ترفع مستوى التوقعات، ما يجعل فهم القدرات الحقيقية تحدياً أمام متخذي القرار في القطاعين العام والخاص.
رغم ذلك، تبرز أرقام كبيرة الأثر المرتقب عالمياً للذكاء الاصطناعي وفقا لإحصائيات في أرجاء العالم، ستصل مساهمة التقنية في الاقتصاد العالمي إلى نحو 19.9 تريليون دولار بحلول 2030، لتصل قيمته السوقية إلى 4.8 تريليون دولار بحلول 2033، وتوقعات بخلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة بحلول 2030.
وفي السعودية لا يأتي هذا النقاش بمعزل عن تحول وطني أوسع، فقد أقر مجلس الوزراء اعتبار عام 2026 “عام الذكاء الاصطناعي” في خطوة تبرز اتساع التركيز الوطني على التقنية ودورها في الابتكار. ومع دخول الأدوات إلى قطاعات أكثر، تصبح مسألة المستقبل اقتصادية بقدر ما هي تقنية، حيث يشير تقرير ستانفورد إلى تغيرات ملحوظة في بعض مسارات التوظيف والمهن الأكثر تعرضاً للأتمتة.
كيف تستعد المؤسسات لمستقبل لا تعرف تفاصيله بعد؟
يواكيم دي فوس خبير الاستشراف والتخطيط الإستراتيجي، يطرح السؤال من زاوية مختلفة، في كتابه ” Why Innovation Fails، لماذا يفشل الابتكار؟ المفاتيح السبعة للنجاح” هل ستدع التغيير يحدث لك، أم ستسعى إلى تشكيله؟ في إشارة إلى أن التعامل مع المستقبل لا يتوقف عند محاولة توقعه، بل يمتد إلى الاستعداد له والتأثير في مساره من خلال بناء سيناريوهات متعددة مرنة.
هذه الأسئلة ستكون في صلب “منتدى صحيفة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي” المقرر انطلاقه في 5 أكتوبر المقبل في واحة الملك سلمان للعلوم بالرياض تحت عنوان “اقتصادنا والذكاء الاصطناعي”، بحضور خبراء وصنّاع قرار، حيث يناقش يواكيم دي فوس كيفية تخطيط المؤسسات للمستقبل، ويتناول ألكسندر أوستروالدر، مبتكر أدوات تطوير الأعمال، الفارق بين الأثر السريع للتقنية والتغيرات الأعمق التي ستظهر مع الوقت. في حين يستعرض عبدالمحسن العمران، المؤسس والرئيس التنفيذي لـ”The Family Office”، أبعاد استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الثروات واتخاذ القرارات المالية.
الآلة تستطيع العودة إلى الماضي في لحظات واستخراج الاحتمالات، لكن قدرتها تظل رهينة بياناتها. في المقابل، يمتلك الإنسان ميزة قراءة السياق والتعامل مع أحداث لم تدخل بعد في الأنظمة. فقبل سبعين عاماً كان السؤال: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟ أما اليوم: مِنْ يقرأ مستقبل مَنْ؟ .. الذكاء الاصطناعي أم الإنسان؟
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
