
تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «الثقة في عالم الأعمال .. قرار تُثبته الأفعال»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
في عالم الأعمال، قد تبدأ العلاقة بتوقيع عقد، وقد تبدأ بكلمة، وقد تبدأ بتوصية من شخص نثق به. لكن استمرارها لا يحدده العقد وحده، ولا التوصية وحدها، وإنما تحدده الثقة. والثقة هي أحد أغلى الأصول غير المرئية في الاقتصاد. لا تظهر في الميزانيات العمومية، ولا يمكن شراؤها مباشرة، لكنها قد تكون العامل الذي يحدد نجاح شراكة أو فشلها، استمرار استثمار أو توقفه، توسع شركة أو تراجعها.
ومع ذلك، هناك خطأ شائع في فهم الثقة: الاعتقاد بأنها تعني أن نصدق الآخر دون تحقق، أو أن التاريخ الطويل يكفي للحكم على المستقبل، أو أن شهادة شخص موثوق تجعل الطرف الآخر جديراً بالثقة تلقائياً. في الواقع، الثقة المهنية شيء مختلف تماماً.
السؤال الأصعب في عالم الأعمال ليس: هل هذا الشخص جيد أم سيئ؟ وإنما: هل يمكن الاعتماد عليه في هذه العلاقة، وفي هذه المسؤولية، وفي هذه الظروف؟
فقد يكون شخص ما ناجحاً في إدارة شركة، لكنه لا يكون بالضرورة الشريك المناسب لمشروع جديد. وقد يكون مديراً ممتازاً، لكنه لا يملك الخبرة الكافية لإدارة استثمار مختلف. وقد يكون صاحب سمعة جيدة، لكن المنظومة التي يعمل فيها تفتقر إلى الضوابط. لذلك لا ينبغي أن تكون الثقة حكماً مطلقاً على الإنسان، بل قراراً مرتبطاً بالسياق. كلما ارتفعت قيمة المسؤولية، ارتفعت الحاجة إلى أدلة أقوى. ومن غير المنطقي أن تكون الثقة في شخص ائتمنته على مهمة صغيرة مساوية للثقة في شخص سيتولى إدارة ملايين الريالات أو معلومات حساسة أو شراكة تمتد لسنوات.
من أكثر الأخطاء شيوعاً في عالم الأعمال التعامل مع الماضي وكأنه ضمان للمستقبل. نعم، التاريخ مهم. سجل الشخص أو الشركة، سنوات الخبرة، النجاحات السابقة، العلاقات المهنية، الالتزامات التي تم الوفاء بها، كلها مؤشرات مهمة. لكن التاريخ لا يجيب عن سؤال المستقبل بالكامل. فالأسواق تتغير، والأشخاص يتغيرون، والظروف المالية تتغير، والمصالح تتبدل. وقد ينجح شخص في بيئة معينة ثم يواجه صعوبة في بيئة مختلفة. لذلك، بدلاً من السؤال عن عدد سنوات الخبرة فقط، يجب أن نسأل عن نوع الخبرة.
كيف تصرف عندما خسر؟ وكيف تعامل مع أزمة؟ وهل حافظ على التزاماته عندما أصبح تنفيذها مكلفاً؟ وهل اعترف بخطئه؟ وهل كان شفافاً عندما لم تكن الشفافية في مصلحته؟
هذه الأسئلة قد تكشف عن الشخص أكثر من عشرات الصفحات في سيرته الذاتية. التوصية من شخص نثق به لها قيمة كبيرة، لكنها ليست بديلاً عن التحقق.
عندما يقول لك رجل أعمال تثق به إن شخصاً ما جدير بالاعتماد، فإن ذلك يمنحك نقطة بداية جيدة. لكن السؤال الأهم هو: على ماذا تستند هذه التوصية؟
هل تعامل معه الموصي في مشروع صغير أم في استثمار كبير؟ وهل يعرفه منذ سنوات أم التقى به في مناسبات محدودة؟ وهل جربه عندما كانت المصالح متعارضة؟
هل كانت العلاقة بينهما تجارية فقط أم شخصية أيضاً؟ فالتوصية قد تُظهر تجربة حقيقية، لكنها قد تُبرز أيضاً انطباعاً شخصياً.
ولهذا فإن التوصية الأقوى ليست التي تقول: “هذا الشخص ممتاز”، بل التي تستطيع أن تقول: “تعاملت معه في هذه الظروف، وكان مسؤولاً عن هذه المهمة، وواجه هذه المشكلة، وتصرف بهذه الطريقة”
يمكن بناء الثقة بطريقة أكثر ذكاءً من خلال ما يمكن تسميته “الثقة المتدرجة”. ولا تبدأ العلاقة بأقصى مستوى من الصلاحيات، ولا تبدأ أيضاً بالشك الكامل.
ابدأ بمسؤولية محددة. راقب الالتزام. واختبر جودة المعلومات. وتابع طريقة إدارة المال والوقت. لاحظ التعامل مع الخلاف. ثم زد مستوى المسؤولية تدريجياً.
إذا نجح الطرف في المرحلة الأولى، انتقل إلى الثانية. وإذا أثبت التزامه في الثانية، أصبح منطقياً توسيع دائرة الثقة. هذه الطريقة لا تعني التشكيك في الآخرين، بل تعني أن الثقة نفسها يجب أن تنمو كما تنمو الشراكة.
قد يكون أهم اختبار لمعرفة معدن الشخص هو مراقبة تصرفه عندما تتغير المصالح. عندما تكون الأمور جيدة، من السهل أن يكون الجميع متعاونين. لكن ماذا يحدث عندما تتأخر الأرباح؟ ماذا يحدث عندما يخسر المشروع؟
ماذا يحدث عندما تظهر فرصة يستطيع أحد الأطراف الاستفادة منها وحده؟ ماذا يحدث عندما يقع الخطأ؟ وماذا يحدث عندما يصبح الالتزام بالعقد مكلفاً؟
هنا تظهر الثقة الحقيقية. فالإنسان لا يُختبر فقط عندما تكون مصلحته متوافقة مع مصلحتك، بل عندما تتعارض المصالح. ومن هنا يمكن القول إن الأزمات ليست دائماً عدواً للعلاقات التجارية؛ أحياناً تكون أفضل وسيلة لاكتشاف حقيقتها.
من أخطر الأخطاء الإدارية بناء منظومة كاملة على شخص واحد مهما كانت الثقة به.الشخص الموثوق قد يغيب، أو يخطئ، أو يتقاعد، أو تتغير ظروفه، أو تتغير مسؤولياته.أما المنظومة الجيدة فتستمر.
ولهذا تعتمد المؤسسات الناضجة على العقود، وفصل الصلاحيات، والمراجعة، والتوثيق، والرقابة، والشفافية، وإدارة المخاطر.هذه الإجراءات لا تعني انعدام الثقة.
على العكس، إنها تحمي الثقة من أن تتحول إلى مخاطرة.
فإذا كانت العلاقة لا تستطيع الاستمرار إلا بوجود شخص واحد، فإن المؤسسة لم تبنِ ثقة مؤسسية؛ بل بنت اعتماداً الخطر يبدأ عندما تتحول الثقة إلى إعفاء من المساءلة.
عندما نقول: “أنا أعرفه منذ سنوات، ولذلك لا أحتاج إلى عقد”.
أو “فلان أوصى به، ولذلك لا داعي للتحقق” أو “سبق أن نجح، ولذلك لا نحتاج إلى مراجعة الأرقام”. هذه ليست ثقة؛ إنها إلغاء للضوابط. والأخطر أن الثقة العمياء قد تكون أكثر تكلفة من عدم الثقة، لأنها تسمح للمخاطر بالدخول إلى المؤسسة دون أن تجد من يراجعها
الثقة في النهاية ليست شهادة تُمنح إلى الأبد. هي رصيد يتراكم مع الوقت من خلال الالتزام، والشفافية، والوفاء، وحسن التعامل، وتحمل المسؤولية. وقد يحتاج بناء هذا الرصيد إلى سنوات، بينما قد يؤدي موقف واحد من عدم الصدق أو إخفاء المعلومات أو التنصل من المسؤولية إلى استنزافه بسرعة. ولهذا فإن المؤسسات والأفراد الأكثر نجاحاً ليسوا أولئك الذين يثقون بالجميع، ولا أولئك الذين لا يثقون بأحد؛ وإنما أولئك الذين يعرفون كيف يوزعون الثقة بحكمة.
كاتب اقتصادي
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
