التراجع كقرار إستراتيجي | صحيفة الاقتصادية

التراجع كقرار إستراتيجي | صحيفة الاقتصادية

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «التراجع كقرار إستراتيجي | صحيفة الاقتصادية»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.

عادة ما ترتبط القرارات الإستراتيجية في الشركات بفكرة نمو الأعمال، مثل دخول سوق جديد، أو إطلاق منتج، أو تنفيذ استحواذ، أو زيادة الاستثمار. لكن بعض أهم القرارات في تاريخ الشركات لم تكن قرارات توسع، بل قرارات تراجع عن شيء كان في وقت ما جزءًا من هويتها.

وتعدّ قصة شركة موتورولا مثالًا واضحًا على ذلك. عندما تولى جريج براون قيادة الشركة في 2008، لم تكن الهواتف المحمولة نشاطًا هامشيا يمكن التخلص منه بسهولة. فموتورولا هي الشركة التي اخترعت الهاتف المحمول، وكان هذا القطاع جزءًا من تاريخها وصورتها أمام المستثمرين والعملاء.

لكن السوق كانت في طور التغير. فـ”نوكيا” و”سامسونج” كانتا تتنافسان بقوة، وأبل أطلقت آيفون، بينما أصبح نشاط الهواتف في موتورولا يخسر مئات الملايين من الدولارات في الربع الواحد.

كان استمرار الوضع يعني، بحسب براون، أن الشركة ربما أصبحت على بعد عام ونصف إلى عامين من الإفلاس. لذلك اتخذ القرار الأصعب، وهو فصل نشاط الهواتف، رغم أنه النشاط الذي عرفت به موتورولا لعقود.

الصعوبة لم تكن في قراءة الأرقام فقط، بل في اتخاذ القرار أمام مجلس إدارة لم يكن متفقًا بالكامل معه. وقبل تنفيذ الفصل بفترة قصيرة، بدأ بعض أعضاء المجلس بالتراجع عن دعم القرار، ووصل الأمر إلى التفكير في الإبقاء على الشركة كما هي، وربما تغيير الرئيس التنفيذي نفسه.

براون وضع المسألة بصورة مباشرة أمام المجلس. يمكنهم تغييره، لكن بالنسبة له لم يعد الاستمرار في نشاط الهواتف خيارًا منطقيا.

وفي 2011 اكتملت مرحلة  الفصل، وظهرت شركة Motorola Solutions، التي ركزت لاحقًا على تقنيات الاتصالات الحرجة للشرطة والجهات الحكومية والمستشفيات، ثم توسعت إلى البرمجيات والذكاء الاصطناعي والتقنيات  الأمنية.

القصة لا تتعلق بموتورولا وحدها، بل بمشكلة تواجه كثيرًا من الشركات، وهي الارتباط بالماضي. الشركة تستثمر سنوات في بناء نشاط معين، وتوظف آلاف الأشخاص حوله، وتربط علامتها التجارية به، ثم يصبح التخلي عنه أكثر صعوبة، حتى عندما يتراجع دوره في صناعة القيمة.

ولهذا تستطيع الشركات عادة إضافة نشاط جديد بسهولة أكبر من إغلاق نشاط قديم. تستطيع إعلان إستراتيجية جديدة، والدخول في أسواق مختلفة، لكن الأصعب أن تحدد بوضوح ما الذي يجب ألا تستمر فيه.

وتظهر الفكرة بصورة مختلفة في السوق السعودية في تجربة سيسكو القابضة. فالشركة لم تكن أمام نشاط خاسر يشبه ما واجهته موتورولا، لكنها أعادت خلال السنوات الماضية تعريف نموذجها، واتجهت بصورة أوضح إلى نموذج الشركة الاستثمارية القابضة، مع التركيز على قطاعات مثل الموانئ والخدمات اللوجستية والمياه. كما اعتمدت على مبدأ إعادة تدوير رأس المال، والتخارج الجزئي من بعض الأعمال الناضجة من أجل تمويل فرص جديدة.

ومن الأمثلة على ذلك بيعها في 2021 جزءا من حصتها في شركة بوابة البحر الأحمر، في صفقة وفرت لها سيولة أعادت توجيهها إلى محفظتها وفرصها الاستثمارية.

المقارنة مع موتورولا ليست في حجم الأزمة أو في نتائج التحول، وإنما في المبدأ نفسه. فالشركة لا يفترض أن تتمسك بأصل أو نشاط فقط لأنه كان مهما في مرحلة سابقة.

مع مرور الوقت قد تتحول القرارات السابقة إلى التزام يصعب التراجع عنه، وكلما زاد رأس المال والوقت المستثمر فيها أصبحت العودة عنها أصعب. لكن لو لم نملك هذا النشاط أو الاستثمار اليوم، هل كنا سوف نختار الدخول فيه من جديد؟

ويستخدم جريج براون منطقا قريبا من ذلك عند اتخاذ القرارات الكبيرة، إذ ينظر إلى القرار من زاوية الندم أو الارتياح الذي قد يشعر به لاحقًا إذا لم يتخذه. وقد ساعده هذا الأسلوب على التراجع عن استحواذ كان يمكن أن تصل قيمته إلى 5 مليارات دولار.

والتراجع كقرار إستراتيجي لا يعني أن القرار السابق كان خاطئًا منذ البداية. فقد يكون مناسبًا لمرحلة معينة، لكن الظروف والأسواق تتغير، وما كان يصنع القيمة في السابق قد لا يصنعها اليوم. لذلك لا تقاس الإدارة الجيدة فقط بعدد المشاريع التي تبدأها أو القرارات التي تتخذها، بل بقدرتها أيضًا على إعادة تقييمها وتغيير المسار عندما تتغير المعطيات.

فالإستراتيجية ليست التمسك بالمسار نفسه، وإنما معرفة اللحظة التي يصبح فيها تغيير المسار أكثر قيمة من الاستمرار فيه.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.

وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.

مصري كاتب ومحرر في جريدة مانشيت، يقدّم تغطية إخبارية ومحتوى موثوقًا يلتزم بالدقة والوضوح ومراجعة المعلومات قبل النشر.