افتتاحية زاد الأردن – خطاب الملك لم يكن عن فلسطين وحدها .. بل عن عالم يتعلم كيف ينسى

كتب : الدكتور احمد الوكيل – لم يبدأ جلالة الملك عبدالله الثاني خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين بغزة، ولم يبدأ بإسرائيل، ولا بسوريا، ولا حتى بالأردن. بدأ بشيء يبدو للوهلة الأولى بعيداً عن السياسة: قدرة الإنسان على الانتباه.
تحدث الملك عن دراسة تشير إلى أن متوسط مدة انتباه الفرد أمام الشاشة انخفض من دقيقتين ونصف عام 2004 إلى 47 ثانية اليوم، ثم نقل الرقم سريعاً من عالم التكنولوجيا إلى قلب السياسة الدولية، ليقول إن الانتباه داخل قاعة الأمم المتحدة لم يعد مجرد مورد معرفي، بل أصبح «مورداً جيوسياسياً».
وهنا، تحديداً، تكمن القراءة المختلفة للخطاب.
فالملك لم يكن يتحدث عن إدمان الهواتف أو وسائل التواصل الاجتماعي. كان يتحدث، في جوهر الأمر، عن عالم بدأ يتعامل مع أزماته بالطريقة نفسها التي يتعامل بها الإنسان مع شاشة هاتفه: ينظر، يتفاعل، ثم ينتقل إلى الصورة التالية.
غزة تتصدر المشهد، ثم إيران، ثم سوريا، ثم لبنان، ثم السودان أو أوكرانيا أو اليمن. تتغير الشاشة، لكن الناس الذين كانوا في الصورة السابقة لا تختفي مآسيهم عندما نمرر أصابعنا إلى الخبر التالي.
وهنا يصبح السؤال سياسياً بامتياز: ماذا يحدث عندما يصبح قِصر الانتباه الإنساني قِصر نظر دولياً؟
العالم لا يعاني من نقص المعلومات
قبل عقود، كان ممكناً أن تقول دولة إنها لم تعرف حجم ما يجري في منطقة بعيدة. كانت المعلومات تصل متأخرة، والصور قليلة، والوصول إلى الحقيقة أصعب.
اليوم، هذه الحجة أضعف بكثير.
الحرب تصل إلى الهاتف مباشرة. الطفل تحت الأنقاض نراه. المنزل الذي يهدم نشاهده. المستشفى الذي يقصف نعرف عنه. المستوطنة التي تتوسع يمكن رؤيتها. والخرائط والصور والشهادات والبيانات متاحة بصورة غير مسبوقة.
إذن المشكلة التي طرحها خطاب الملك ليست أن العالم لا يرى.
المشكلة أنه يرى ثم ينتقل إلى شيء آخر.
وهذه أخطر.
فالجهل يمكن علاجه بالمعلومة، لكن ماذا نفعل عندما تكون المعلومة موجودة، والصورة موجودة، والقانون موجود، والأدوات السياسية موجودة، ثم لا يحدث شيء؟
الملك قالها بوضوح أكبر عندما تناول الضفة الغربية: التقاعس السياسي العالمي ليس ناتجاً عن غياب الخيارات، بل هو خيار، وأشار إلى أدوات مثل العقوبات وتجميد الأصول والحظر والعزل الدبلوماسي، مذكراً بأن المجتمع الدولي استخدمها في قضايا أخرى.
وهنا انتقل الخطاب من مناشدة العالم إلى مساءلته.
من «إدارة الصراع» إلى صناعة الأمر الواقع
واحدة من أهم العبارات في الخطاب جاءت عندما استعاد الملك سنوات طويلة من الحديث الأردني أمام الأمم المتحدة عن القضية الفلسطينية.
فالمشكلة، بحسب الخطاب، لم تكن أن المجتمع الدولي لم يعرف أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خطر، بل أنه اختار احتواء الصراع بدلاً من التصدي لحله.
والفرق هائل.
إدارة الصراع تعني أن تنتظر الانفجار.
تتحرك الوساطات.
يصدر بيان.
تصل المساعدات.
تبدأ مفاوضات لوقف النار.
تهدأ الجبهة.
ثم ينصرف العالم.
وبعد سنوات يحدث انفجار جديد، فنكرر الأدوات نفسها.
أما حل الصراع فيعني العودة إلى أصل المشكلة ومحاولة إنهائها.
ومن هنا جاءت واحدة من أكثر الجمل دلالة في الخطاب: كل انتهاك جديد كان يُعامل باعتباره أمراً مؤقتاً، إلى أن أصبح المؤقت دائماً، والدائم نهجاً.
هذه العبارة ليست وصفاً للماضي فقط.
إنها شرح لآلية سياسية شديدة الخطورة:
كيف يصنع الزمن شرعية زائفة للأمر الواقع؟
يحدث فعل استثنائي.
يعترض العالم.
يمر أسبوع.
ثم شهر.
ثم سنة.
تظهر أزمة أخرى.
يتراجع الاهتمام.
ويبقى الواقع الجديد.
وبعد سنوات، لا يعود النقاش حول كيفية إزالة ذلك الواقع، بل حول كيفية التعايش معه.
وهكذا قد تتغير الخرائط من دون أن يصدر قرار رسمي بتغييرها.
يكفي أحياناً أن يمتلك من يفرض الأمر الواقع نَفَساً أطول من مدة انتباه المجتمع الدولي.
غزة والضفة.. لماذا أصر الملك على جمع الصورتين؟
هنا أيضاً توجد زاوية أعمق من مجرد التأكيد الأردني التقليدي على وحدة الأراضي الفلسطينية.
قال الملك إن العالم يجب أن يتخلى عن وهم اعتبار غزة والضفة الغربية قصتين منفصلتين، وقدم قراءة تعتبر ما يحدث في المنطقتين مسارين يلتقيان عند نتيجة واحدة: جعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة مستحيلاً؛ بالتدمير في غزة، وبالضم الفعلي للأراضي في الضفة.
هذه نقطة مركزية في فلسفة الخطاب.
المشكلة في الصورة المجتزأة.
إذا نظرت إلى غزة وحدها، فقد ترى حرباً تحتاج إلى وقف إطلاق نار ومساعدات وإعمار.
وإذا نظرت إلى الضفة وحدها، فقد ترى استيطاناً وحواجز ومواجهات وعنف مستوطنين.
لكن ضع الصورتين إلى جانب بعضهما، وستصبح القضية مختلفة: ما هو الأثر السياسي النهائي لكل هذه التطورات على إمكانية قيام الدولة الفلسطينية؟
كأن الرسالة للعالم كانت:
توقفوا عن مشاهدة الشرق الأوسط كمجموعة مقاطع منفصلة.. شاهدوا الفيلم كاملاً.
اللغة نفسها أصبحت جزءاً من الصراع
هناك بعد آخر في خطاب الملك يستحق التوقف عنده، وهو اللغة.
الملك لم يكتف بوصف ما يجري في الضفة الغربية، بل اعترض على المفردات التي يوصف بها ما يجري.
فاللغة المخففة، وفق منطقه، لا تصف الواقع فقط، بل قد تساعد على تطبيعه. ولهذا فرّق الخطاب بين المصطلحات الإدارية أو الأمنية التي تستخدم لوصف بعض الإجراءات وبين توصيفات قانونية وسياسية أكثر حدة لما يراه يحدث على الأرض.
وهذه نقطة ذكية للغاية.
فالسياسة تبدأ أحياناً من الاسم.
عندما تعطي فعلاً شديد الخطورة اسماً إدارياً هادئاً، يصبح تقبله أسهل.
وعندما يصبح الاسم مألوفاً، يصبح الفعل مألوفاً.
وعندما يصبح الفعل مألوفاً، ينخفض الضغط لإيقافه.
لهذا ربط الملك بين تنقية اللغة من التلطيف وبين المساءلة.
بمعنى آخر: قبل أن تسأل العالم ماذا سيفعل، اسأله أولاً إن كان مستعداً لأن يسمي ما يحدث باسمه.
ثم انتقل الخطاب فجأة من فلسطين إلى الأردن
هنا، برأيي، توجد أهم لحظة سياسية أردنية في الخطاب.
بعد الحديث المطول عن فلسطين، انتقل الملك إلى سوريا، وتحديداً إلى الجنوب السوري.
وحذر من توغلات إسرائيلية متكررة وتوسع جغرافي وفرض وقائع جديدة، بعضها يمس مصادر مائية حيوية، ثم وضع خطاً أردنياً واضحاً: أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، مؤكداً أن المملكة ستحمي أمنها ومياهها ومصالح شعبها.
هذه ليست مجرد فقرة إضافية عن سوريا.
إنها النقطة التي تغير عندها الخطاب من:
«على العالم أن ينتبه»
إلى:
«الأردن ينتبه، ولن ينتظر الآخرين عندما يتعلق الأمر بأمنه».
وهذا فرق مهم.
سوريا في الخطاب كانت إنذاراً مبكراً
ربما يمكن قراءة الجزء السوري باعتباره تحذيراً مباشراً لإسرائيل، لكن هناك مخاطَباً آخر لا يقل أهمية: المجتمع الدولي.
فالملك وصف سوريا بأنها إنذار يختار المجتمع الدولي ألا يعيره انتباهاً.
لماذا؟
لأن الخطاب يرى خطراً في تكرار الآلية نفسها.
توغل يوصف بأنه محدود.
ثم وجود مؤقت.
ثم منطقة أمنية.
ثم واقع جديد.
ثم يمر الوقت.
ثم يبدأ العالم بالتعامل مع الواقع باعتباره نقطة البداية الجديدة لأي تفاوض.
أي أن الرسالة لم تكن فقط: لا تقتربوا من الأردن.
بل أيضاً:
لا تكرروا في سوريا خطأ الانتظار الذي ارتكبتموه في فلسطين.
فالخطاب في جوهره لا يناقش حدثاً فقط، بل يناقش طريقة تشكل الأحداث الكبرى أمام أعيننا بينما نقنع أنفسنا بأنها مؤقتة.
الأردن لا يريد انتظار انتباه الآخرين
وهنا يصبح مفهوم «الانتباه» أكثر أهمية بالنسبة للأردن نفسه.
الدولة الصغيرة نسبياً لا تستطيع بناء أمنها على افتراض أن العالم سيبقى منشغلاً بقضاياها دائماً.
اليوم قد يكون الشرق الأوسط في صدارة جدول أعمال واشنطن وأوروبا والأمم المتحدة.
غداً قد تقع أزمة في مكان آخر.
بعد غد تتغير حكومة.
ثم تأتي انتخابات.
ثم حرب أخرى.
وتتغير الأولويات.
ولهذا حمل الخطاب رسالة ضمنية مهمة: الأردن يحتاج إلى المجتمع الدولي، لكنه لا يستطيع أن يبني أمنه الوطني على مدة انتباه المجتمع الدولي.
عندما يتعلق الأمر بالحدود والمياه والأمن الوطني، يجب أن تكون للدولة قدرتها وموقفها وحساباتها.
وهذا يفسر الجمع في الخطاب بين الدبلوماسية والقوة.
الدبلوماسية ليست ضعفاً
قال الملك إن الأردن يسعى إلى بناء نموذج يقوم على القيم والانفتاح والثبات، وإنه بلد يستطيع العالم الاعتماد عليه، مستعد للحوار والعمل مع الساعين إلى السلام، لكنه حذر في الوقت نفسه من إساءة تفسير التمسك بالدبلوماسية باعتباره ضعفاً.
هذه العبارة مهمة لأنها ترسم شكل السياسة الأردنية كما أراد الخطاب تقديمها أمام العالم.
لسنا دولة تبحث عن مواجهة.
لكننا لسنا دولة بلا خطوط.
نتحدث.
نتفاوض.
نبني العلاقات.
نتمسك بالقانون الدولي.
لكن توجد لحظة تنتهي عندها مساحة المرونة وتبدأ المصلحة الوطنية المباشرة.
وفي الخطاب سُميت هذه المصالح بوضوح: الحدود، المياه، الأمن، ومصالح الشعب الأردني.
وهذه ربما إحدى أكثر الرسائل مباشرة في خطاب ملكي أمام الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
«الأردن الذي يمكن الاعتماد عليه»
لكن هناك عبارة أخرى مرّت سريعاً وتستحق، في رأيي، قراءة اقتصادية وسياسية مستقلة.
قدم الملك الأردن بوصفه بلداً يمكن للعالم الاعتماد عليه، ثابتاً في مبادئه ومواقفه ومستعداً للحوار.
ما قيمة هذه العبارة؟
في عالم تتغير فيه التحالفات والحكومات والمواقف بسرعة، تصبح القابلية للتوقع شكلاً من أشكال القوة.
الأردن ليس أكبر اقتصاد في المنطقة.
ولا يمتلك أكبر عدد من السكان.
ولا يمتلك الموارد الطبيعية التي تمتلكها بعض الدول المحيطة.
لكن هناك رأس مال آخر يمكن للدولة أن تبنيه عبر عقود:
الثقة.
أن يعرف الشريك ماذا تتوقع منه.
وأن يعرف ماذا يتوقع منك.
أن توقع اتفاقاً فتحترمه.
أن تختلف من دون أن تحرق الجسر.
أن تبقى قنوات الحوار مفتوحة.
وأن تكون لديك خطوط حمراء يعرفها الآخرون أيضاً.
في منطقة شديدة التقلب، الثبات نفسه يتحول إلى أصل استراتيجي.
وهذه نقطة مهمة جداً للأردن؛ سياسياً وأمنياً وحتى استثمارياً.
الخطاب كان أيضاً عن انهيار الثقة بالنظام الدولي
ربما كانت القضية الفلسطينية المثال الأوضح في الخطاب، لكن السؤال الأكبر الذي وضعه الملك أمام الأمم المتحدة يتعلق بالقانون نفسه.
إذا كان القانون الدولي يمكن تجاهله لعقود، فما قيمته؟
هذا السؤال ورد في الخطاب بصورة مباشرة.
لكن تداعياته أكبر من فلسطين.
النظام الدولي لا يعمل لأن هناك شرطياً عالمياً يقف عند كل حدود.
يعمل، إلى حد كبير، لأن الدول تعتقد أن الاتفاقيات والقواعد والمؤسسات لها معنى.
فإذا بدأ الجميع يعتقد أن القانون يطبق على دولة ولا يطبق على أخرى، وأن الاحتلال مرفوض هنا ومحتمل هناك، وأن الحدود مقدسة في مكان وقابلة لإعادة الرسم في مكان آخر، فإن الخسارة لا تقع على الضحية وحدها.
الخسارة تقع على النظام كله.
ولهذا ختم الملك تقريباً بالحديث عن الثقة: الثقة بين الدول، والثقة بالاتفاقيات، والثقة بأن القوانين ستطبق فعلياً، محذراً من أن تدمير هذه الثقة يجعل كل تحدٍ أصعب.
هذه ربما أعمق نقطة سياسية في الخطاب.
لأن البديل عن الثقة بالقانون هو الثقة بالقوة.
وعندما تصل الدول إلى قناعة أن القانون لن يحميها، ستبحث كل دولة عن سلاح أكثر وتحالف أقوى وردع أكبر.
وعندها يصبح العالم أكثر خطورة حتى على الأقوياء أنفسهم.
لهذا لم يكن الخطاب عن إسرائيل وحدها
من السهل جداً أن نقرأ خطاب نيويورك باعتباره خطاباً أردنياً قوياً ضد السياسات الإسرائيلية.
وهو كذلك في أجزاء واضحة منه.
لكن حصره في ذلك يفقده نصف معناه.
الخطاب كان أيضاً نقداً للمجتمع الدولي.
ليس فقط لما فعله.
بل لما لم يفعله.
ليس فقط للقرارات الخاطئة.
بل للأزمات التي سمح للوقت بتحويلها إلى أمر واقع.
وليس فقط لغياب الأدوات.
بل لعدم استخدام أدوات موجودة بالفعل.
وهذا فرق جوهري.
فالملك لم يقل إن العالم عاجز تماماً.
قال، في الجوهر، إن العالم يختار أحياناً ألا يتحرك.
وهذه إدانة سياسية أشد بكثير من وصف المجتمع الدولي بالعجز.
العاجز يريد ولا يستطيع.
أما من يمتلك الأدوات ولا يستخدمها، فالمشكلة تصبح في الإرادة والمعايير والمصالح.
والـ47 ثانية تعود في النهاية
الآن يمكن العودة إلى الرقم الذي بدأ به الخطاب.
47 ثانية.
رقم صغير، لكنه كان مدخلاً إلى سؤال ضخم:
كم تدوم ذاكرة العالم؟
هل تدوم حتى انتهاء الحرب؟
هل تدوم حتى تطبيق الاتفاق؟
هل تدوم حتى عودة النازح؟
هل تدوم حتى قيام الدولة الفلسطينية؟
أم تدوم حتى يظهر إشعار جديد على الشاشة؟
وهنا تتضح هندسة الخطاب.
بدأ بالانتباه.
ثم انتقل إلى الإهمال.
ثم إلى فلسطين بوصفها مثالاً على أزمة امتدت لأن العالم أدارها بدلاً من حلها.
ثم إلى الضفة بوصفها واقعاً يتغير بينما تنظر الكاميرات إلى غزة.
ثم إلى سوريا بوصفها إنذاراً مبكراً من تكرار النموذج نفسه.
ثم إلى الأردن الذي يقول إنه لن يسمح بأن يصبح أمنه ضحية لغياب انتباه الآخرين.
وانتهى بالثقة والقانون والمؤسسات، وبالتحذير من أن المستقبل لا تصنعه الأشياء التي نفعلها فقط، وإنما أيضاً الأشياء التي نختار تجاهلها.
الرسالة الأخيرة ليست للخارج فقط
وهنا يمكن أن نضيف قراءة أردنية داخلية للخطاب.
إذا كان الملك يطالب العالم بألا يشتت انتباهه، فالفكرة نفسها تصلح للدولة الأردنية.
المنطقة ستبقى مليئة بالأزمات.
ستأتي حرب وتذهب أخرى.
سترتفع أسعار النفط ثم تنخفض.
ستتغير الحكومات في الدول الكبرى.
وقد تظهر تهديدات أمنية جديدة.
لكن الأردن لا يستطيع أن يسمح لكل أزمة خارجية بأن تسحب انتباهه بالكامل من مشروعه الداخلي.
الإصلاح الاقتصادي.
المياه.
الاستثمار.
التعليم.
النقل.
الوظائف.
التحديث الإداري.
هذه أيضاً تحتاج إلى انتباه مستدام.
فالخطاب نفسه يقول إن هناك فرقاً بين ما يحتاج إلى انتباه عاجل وما يحتاج إلى انتباه طويل الأمد.
والدولة الناجحة هي التي تستطيع فعل الاثنين معاً.
تتعامل مع الصاروخ اليوم.
وتبني الجامعة التي تحتاجها بعد عشر سنوات.
تحمي الحدود.
وتبني الاقتصاد.
تتحرك دبلوماسياً لإطفاء حرائق المنطقة.
ولا تسمح لهذه الحرائق بأن تحرق خطة مستقبلها.
الخلاصة.. أخطر ما في الأزمات أن تصبح مألوفة
ربما هنا تكمن الرسالة الأثقل في خطاب الملك.
ليس أخطر شيء أن تقع المأساة.
الأخطر أن نعتاد عليها.
أن يصبح رقم الضحايا خبراً عادياً.
وأن تصبح صورة الدمار مألوفة.
وأن يتحول الاستيطان إلى تفصيل يومي.
وأن يصبح التوغل «مؤقتاً» سنوات.
وأن يتحول الاستثناء إلى قاعدة لأن العالم تعب من متابعته.
عندها لا ينتصر الأمر الواقع لأنه كان مشروعاً قانونياً أو عادلاً، بل لأنه انتظر حتى فقد الآخرون اهتمامهم.
ولهذا فإن خطاب الملك أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة لم يكن في جوهره مطالبة العالم بأن ينظر إلى فلسطين مرة أخرى فحسب.
كان تحذيراً من عالم أصبحت لديه معلومات أكثر من أي وقت مضى، لكنه قد يمتلك ذاكرة سياسية أقصر من أي وقت مضى.
