الاستثمار الأجنبي بين التستر والاستتار التجاري

الاستثمار الأجنبي بين التستر والاستتار التجاري

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «الاستثمار الأجنبي بين التستر والاستتار التجاري»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.

تغدو المملكة إحدى أبرز منصات الاستثمار في الشرق الأوسط؛ فاستقرارها المؤسسي، واتساع سوقها، والتحول الاقتصادي الذي تقوده، يجعلها وجهة طبيعية لسيولة ومدخرات إقليمية ودولية تبحث عن بيئة آمنة ومنتجة. غير أن هذه الأموال لا تصل دائمًا في صورة صناديق كبرى أو شركات تقنية عابرة للحدود؛ فكثير منها مدخرات فردية، وخبرات مهنية، ورؤوس أموال صغيرة تتطلع إلى مشروع تشغيلي حقيقي. وحين لا تجد هذه الإمكانات طريقًا نظاميًا مناسبًا، قد تنزلق إلى شراكات خفية في قطاعات التجزئة والخدمات والمقاولات الصغيرة، حيث يكثر التستر.

ومن هنا يبدأ التمييز بين التستر والاستتار. فالتستر هو تمكين غير المرخّص له من ممارسة نشاط استثماري لحسابه الخاص عبر اسم أو سجل أو ترخيص شخص آخر، بما يحجب المالك أو المدير أو المنتفع الفعلي عن الدولة. أمَّا الاستتار فهو خصوصية تجارية مشروعة أمام الجمهور والمنافسين، تقابلها شفافية كاملة أمام الجهات المختصة بالترخيص والرقابة والالتزامات المالية. المشكلة ليست في جنسية صاحب المال أو المهارة، بل في إخفاء الحقيقة الاقتصادية أو تقديم بيانات تخالف الواقع عمّن يملك حق المساءلة.

ولا تنجح المعالجة ما لم تفصل بين الاستثمار والإقامة والعمل والإفصاح. فالاستثمار يتيح ضخ رأس المال وتحمل مخاطره والاستفادة من عوائده، لكنه لا يمنح تلقائيًا حق إدارة النشاط خارج متطلبات الترخيص. والإقامة لا تتحول وحدها إلى رخصة تجارية، والعمل المهني يستحق عقدًا يحدد الصلاحيات والأجر والمكافأة. أما الإفصاح فيكشف المالك المستفيد والسيطرة الفعلية ومصدر الأموال ومسارها عبر حسابات تجارية وأنظمة فوترة قابلة للتتبع، من دون كشف أسرار المنشأة للمنافسين. فالخصوصية أمام السوق حق، أما حجب الحقيقة عن الدولة فليس خصوصية، بل جريمة اقتصادية.

تبدأ الحلول من الاعتراف بتعدد الأدوار داخل المشروع. ويمكن للمنظم دراسة استحداث تصنيف للمدير المهني غير المالك، في المهن والأنشطة التي تسمح قواعدها بذلك، بعقد موثق وصلاحيات محددة ومكافأة ثابتة أو متغيرة مرتبطة بإيراد موثق ومفوتر، لا بتحويلات شخصية. وبذلك يصبح دوره معلومًا ومسؤولًا دون افتراض ملكيته لمجرد حضوره الأبرز في التشغيل.

ويحتاج الحرفيون ومقدمو الخدمات إلى رخص عمل مستقل دقيقة النطاق، ترتبط بالكفاءة والتأمين والفوترة الإلكترونية. كما تستطيع منصات النقل والصيانة والخدمات المنزلية أن تصبح جزءًا من الحل حين توثق مقدم الخدمة والطلب والدفع والدخل، فتتحول من وسيط للوصول إلى العميل إلى أداة للتحقق والتتبع بدل ترك العلاقة في منطقة رمادية.

أما المستثمر الصغير، فلا يلزم أن يصبح مديرًا لمطعم أو ورشة كي يشارك في تمويلها. ويمكن تصميم مسار يتيح ملكية معلنة ومحدودة في منشآت متناهية الصغر، مع مشاركة محلية حقيقية وموثقة حين تستلزمها طبيعة النشاط أو متطلباته النظامية. ويقترن ذلك بحدود لعدد الاستثمارات، ومنع الإدارة غير المعلنة، والتحقق من مصدر الأموال، والإفصاح عن الملكية غير المباشرة والسيطرة الفعلية؛ وبذلك تُحمى المشاركة المحلية ويُحد من التركز الاقتصادي دون ملكية صورية.

وتبين التجارب الدولية إمكان توجيه المدخرات المحدودة إلى الاقتصاد التشغيلي عبر قنوات منظمة. فإستونيا تتيح لحاملي هويتها الرقمية تأسيس الشركات وإدارتها عن بُعد، دون أن تمنحهم إقامة فعلية أو ضريبية تلقائيًا. وطورت ماليزيا قنوات تمويل جماعي للمشاريع الصغيرة، فيما تجمع صناديق فرنسية خاضعة للرقابة مدخرات الأفراد للاستثمار في شركات غير مدرجة مع الإفصاح عن المخاطر.

ولا يعني هذا تجاوز المنظومة القائمة؛ فنظام الاستثمار ينشئ سجلًا وطنيًا للمستثمرين ويلزم المستثمر الأجنبي بالتسجيل قبل ممارسة الاستثمار، مع بقاء السجل التجاري والتراخيص والموافقات القطاعية والالتزامات المالية متطلبات مستقلة بحسب طبيعة النشاط. وتكمن قيمة الإصلاح في وصل هذه المتطلبات بوضوح، وإدارة المخاطر بدل الاكتفاء بمكافحة التستر، حتى لا يبحث المستثمر عن واجهة محلية بسبب تعقيد المسار أو غموضه.

ويقتضي ذلك تنظيمًا متدرجًا يستحدث متطلبات تأسيس وامتثال أخف للمنشآت متناهية الصغر، مع حوكمة أوسع كلما ارتفع الإيراد أو حجم العمالة أو حساسية القطاع، على غرار اختلاف متطلبات الشركات في السوق الموازية «نمو». كما يستلزم مسارًا مستدامًا لتصحيح الأوضاع، يقوم على الإفصاح الكامل ورد الحقوق وتسوية الالتزامات، ويحوّل العلاقة الخفية إلى ملكية معلنة أو عقد إدارة أو عمل أو تمويل أو شراكة نظامية.

الرقابة تكشف المخالفة، لكنها لا تصنع البديل. وحين يجد المستثمر قناة مرخصة، والمدير عقدًا يعترف بدوره، والمهني رخصة تتيح له الفوترة، يصبح الاستثمار الأجنبي قادرًا على دخول السوق عبر مسار معلن وقابل للتتبع. عندها ينحسر التستر لا لأن النظام تساهل، بل لأن الاقتصاد استوعب المال والمهارة والعمل داخل الضوء، وحفظ خصوصية المنشأة أمام السوق، فيما ظهرت حقيقتها كاملة أمام الدولة.

مستشار قانوني

وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.

وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.

مصري كاتب ومحرر في جريدة مانشيت، يقدّم تغطية إخبارية ومحتوى موثوقًا يلتزم بالدقة والوضوح ومراجعة المعلومات قبل النشر.