ورحل «الفارس» – الوطن

ورحل «الفارس» – الوطن

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «ورحل «الفارس» – الوطن»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.

«سر يذاع لأول مرة»: كانت المرحلة التي بشرت بثورة 30 يونيو والوجوه التي وقفت في الصفوف الأولى للمواجهة تعرف بعضها البعض تقريباً «من المواقف»، وهكذا عرفت المستشار الجليل «أحمد الزند» قبيل الثورة، لكني سأبدأ من موقف تجلت فيه إنسانية هذا «الفارس»، وأذكر فضله بعد أن توطدت صداقتنا العائلية، خاصة وأني ابنة لبلدته طنطا، اتصل بي رجل العدالة قبل ثماني سنوات ليقول: «مرفوع ضدك قضية سب وقذف»، فرويت له أني لم أكتب في مقالي إلا ما ذكره الشاكي عن نفسه في برنامج تليفزيوني، ثم أخبرني أنه سوف يتنازل إكراماً لخاطره، اتصلت بالمحامي فقال لي إن الدعوى سقطت بسقوط مدة التقاضي وإنه لم يعد من حقه مقاضاتك.

بشرت سيادة المستشار ثم سألته: ما الذي طلبه منكم في المقابل، فأجابني: عشرة آلاف جنيه (!!) هكذا كان المستشار «أحمد الزند» وزير العدل الأسبق ورئيس نادي قضاة مصر- يساند الأصدقاء حتى لو كلفه الأمر من ماله الخاص (ولم يكن وزيراً آنذاك).

اخترت أن أبدأ بالإنسان قبل القاضي والثائر «أسد الثورة» الذي كان صوته يرعب الإخوان، ويُسقط الخونة في بئر الرعب.

منتهى الجحود أن ننكر بطولة بعض الشخصيات التي عجّلت بسقوط الإخوان، وراهنت بحياتها فعلياً لتحرير الوطن من الفاشية الدينية، دون أن تنتظر إلا «العدل» في كتب التاريخ إن كان سيكتبه منصفاً. فحين استمع المستشار «أحمد الزند»، وزير العدل الأسبق، إلى صرخات الخوف والرعب من ميليشيات الإخوان لم يتراجع عن مواقفه، بل أظهر وجه «الأسد الجسور»، كما يطلقون عليه.

وأن يفتح قلعة العدالة (نادي قضاة مصر) لتنظيم صفوف القضاة في مواجهة بطش الإخوان وعصفهم بالقانون والدستور، فكان قضاة مصر هم رأس الحربة في ثورة 30 يونيو.

أصبح صوت «الزند» وقوداً للثورة، وهو يفنّد «على الهواء» كل الادعاءات الباطلة لـ«مرسي وعصابته»، وتخصص الفضائيات ساعات لنقل كلمته وهو يكشف ألاعيبهم القذرة وجرائمهم التي يحاسبون عليها اليوم، وأولها (التخابر مع عناصر أجنبية).

لأول مرة يرى المواطن المصري قاضياً يتوعد رئيس الجمهورية آنذاك، المعزول «مرسي»، بالملاحقة القضائية، ويصفه بالخائن في وقت حرج تتظاهر فيه مليونيات الجماعة تحت شعار «تطهير القضاء»، وتحاصر «نادي القضاة» لتُرهب كل مؤيدي القضاة في اعتصامهم النبيل رفضاً لعزل المستشار «عبدالمجيد محمود»، النائب العام سابقاً، وتعيين نائب عام «ملاكي» للجماعة.

كنا نرى في المستشار «الزند» «زعيماً أسطورياً» يواجه دولة بأكملها نجحت في فرض الفوضى على البلاد، وتحصنت بكيانات إرهابية. وبدأت عملية «محاكاة النموذج» ولو بوقفة صامتة لوكلاء النيابة العامة، أو مظاهرة غضب شعبي ضد الإعلان الدستوري الذي أصدره «مرسي» لاحتكار كل السلطات، أو بمواجهة الدروع البشرية للإخوان التي تحاصر «المحكمة الدستورية العليا».

كانت كلمات «الزند» تُلهب مشاعر الجماهير، تحرضهم على الثورة، وتبث فيهم الجسارة والشجاعة المحفورة بين قسمات وجهه، تمنح كل يائس بعضاً من تفاؤله واستشرافه لمستقبل نرى فيه قيادات الإرهاب خلف القضبان، وهو ما حدث. كل كلمة كانت بمثابة رصاصة يتصدع معها «مكتب الإرشاد»، وتنهار بها مصداقية «مرسي»، ويفقد نظام الإخوان أي شرعية لحكم مصر.

لم يكن «الزند» بحاجة إلى منصب أو إلى فرصة شراكة في الحكم بعد 3 يوليو، لأنه بطبيعته «ثائر»، والثورة فعل لا يتسق مع بروتوكولات التوزير، أما قيمته الوطنية فتتجاوز مهمة «وزير العدل»، لأنه صاغ مستقبل وطن وغيّـر خريطته السياسية وحفر اسمه في قلوب حراس العدالة بمواقفه كمقاتل شرس دفاعاً عن دولة يحميها الدستور والقانون.

وجاء رحيل الوزير الأسبق ليشعل نار الغل في قلوب الإخوان ولجانهم الإخوانية التي كتبت كلمات من التشفي والحقد لا تعبر إلا عن نفوسهم السامة، لقد اعتاد المستشار «الزند» أن يستقبل مع أسرته الأصدقاء والمحبين في منزله خلال شهر رمضان لإفطار أو سحور، وكانت حرمه الفاضلة تمنحنا كل اهتمامها.

وخلال إحدى الزيارات كنت أستشيره في أمر خاص، حين أذن المغرب أمسك بيد زوجته وذهبا معاً ليصليا في المسجد الذي بناه مجاوراً لمنزله، فلا يزايد أحد على علاقة إنسان بربه ولا على الخير الذي يقدمه خدمة لدينه ورغم أني أعرف بعضها إلا أنها ليست للذكر.

لقد عاش رجل العدل في خدمة مصر وأبناء مصر من سلك القضاء وخارجه، ووهب الفقراء ما استطاع، وكل أهالي طنطا يشهدون بذلك.. ولست بصدد ذكر الأعمال الخيرية لأن ما قدّمه إلى وطنه يزكيه عند الله، وإن لم ينصفه الواقع سوف ينصفه التاريخ.. لأن الإنسان يخلد بأفعاله وليس بادعاءات الإخوان والمجاذيب ضده.. رحم الله الأب الغالي علينا جميعاً، وسوف يبقى واحداً من العظماء الذين عاصرناهم، وربما لن يتكرر.

وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.

وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.

مصري كاتب ومحرر في جريدة مانشيت، يقدّم تغطية إخبارية ومحتوى موثوقًا يلتزم بالدقة والوضوح ومراجعة المعلومات قبل النشر.