كيف يُحوّل المخزن الانتخابات إلى واجهة لتثبيت الاستبداد وتعميق الاحتقان الشعبي

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «كيف يُحوّل المخزن الانتخابات إلى واجهة لتثبيت الاستبداد وتعميق الاحتقان الشعبي»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
لم تكن نتائج الاستحقاقات الانتخابية التشريعية الأخيرة في المغرب سوى مشهد معاد وممسرح ضمن هندسة سياسية خضعت ترتيباتها المسبقة لإشراف دقيق من أجهزة النظام المخزني، حيث صيغت اللوحة النهائية للمرحلة المقبلة ببرود ورُسمت حدودها الدقيقة قبل وقت طويل من فتح صناديق الاقتراع.
إن القراءة المتفحصة لمجريات هذا الاستحقاق تؤكد أن العملية الانتخابية في جوهرها لم تُصمم لتكون مضماراً تنافسياً بين برامج تنموية متباينة أو اختيارات اقتصادية واجتماعية متضادة، بل أُريد لها أن تغدو مجرد محطة إدارية وشكلية للإعلان عن الواجهة الحكومية المعيّنة لتنفيذ أجندة خيارات استراتيجية محددة سلفاً، يتصدرها تسخير كافة موارد البلاد تحت لافتة “حكومة المونديال”، وهو ما يكشف بوضوح صريح مدى توظيف الواجهات الديمقراطية الزائفة لتمرير سياسات احتكار الثروة وتغطية عورات الاستبداد.
وفي هذا السياق، تكتسب التطورات السياسية التي سبقت العملية الانتخابية دلالات عميقة تفضح بوضوح طبائع الحكم في المغرب؛ إذ لم يكن انتقال فوزي لقجع —المسؤول المباشر عن تسيير قطاع كرة القدم ورئيس لجنة تنظيم كأس العالم 2030— إلى قيادة حزب الأصالة والمعاصرة مجرد حدث حزبي عابر أو توصيف صحفي مجرد، بل جاء كمؤشر حاسم على طبيعة التوجيه السلطوي للمرحلة.
إن الاستعدادات الجارية لاستضافة المونديال تحولت إلى غطاء لإعادة تحويل وجهة الاستثمارات الضخمة والتعبئة المفرطة للموارد العمومية نحو مشاريع البنية التحتية والنقل والملاعب والمقاولات المحظية، على حساب الأولويات التنموية الملحة. وبذلك، يُطالب الحزب الذي وُضع في مقدمة المشهد بـ”شق الطريق” بأقصى طاقته لاستكمال هذه المشاريع البراقة، طمعاً في نيل رضا السلطة المركزية التي عينته لهذه المهمة واستجابة لنزوات الترويج الإعلامي الخارجي.
غير أن السقوط المدوي لشرعية هذه العملية برز جلياً في الأرقام الرسمية نفسها، حيث سجلت نسبة المشاركة انخفاضاً حاداً لم يتجاوز 38.02 في المائة، وهي نسبة تقل بأكثر من 12 نقطة كاملة عن انتخابات عام 2021 (التي بلغت فيها 50.35 في المائة)، لتسجل بذلك أدنى مستوى لمشاركة الناخبين منذ استحقاقات عام 2007.
إن هذا التراجع الملحوظ لا يمكن بحال من الأحوال اختزاله في مقولة “العزوف الانتخابي” الفردي أو عزله كظاهرة سلوكية لمواطنين فقدوا الاهتمام بالسياسة، بل يعكس أزمة بنيوية عميقة وتصاعداً في القطيعة الجذرية بين المجتمع والمؤسسات الصورية المنتخبة؛ فحين يمتنع أكثر من ستة مواطنين من كل عشرة مسجلين عن الاقتراع —علماً أن المسجلين أنفسهم لا يشكلون سوى شريحة محدودة من مجموع المواطنين المؤهلين للتصويت— تصبح الرسالة الشعبية الصارخة بمثابة سحب شامل للثقة وإدانة واضحة لمنظومة الانتخابات برمتها.
وتتضاعف هذه المفارقة السياسية والأخلاقية عند مقارنة هذا العزوف الشامل بالذكرى الأولى لانطلاق حراك “جيل زد” الذي أربك المشهد الاحتجاجي في المغرب، حيث أثبت شباب المغرب أنهم ليسوا بعيدين عن السياسة أو غير مكترثين بالشأن العام، بل هم قادرون على التعبئة الواسعة والتظاهر الفعال في الفضاءات العمومية والمنصات الرقمية (مثل ديسكورد). ل
قد صاغ هذا الحراك مطالبه المشروعة المتمثلة في إصلاح التعليم والصحة، وتوفير فرص العمل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد المستشري، واضعاً أولويات الإنفاق الباذخ على الفعاليات الرياضية الكبرى تحت مجهر النقد والمحاسبة. إن ممارسة الشباب المغربي للسياسة خارج الأطر الحزبية والمؤسساتية التقليدية شكلت صفعة مدوية لادعاءات الانفتاح، وأكدت أن الشارع هو المعبر الحقيقي عن الإرادة الشعبية الرافضة لتهميش الأولويات الاجتماعية.
ولم تكن المشاهد المأساوية والأحداث الأخيرة في مدينة سبتة سوى التعبير الأكثر قسوة ودموية عن انسداد الأفق واحتضار الأمل لدى الشباب المغربي في ظل سياسات المخزن. إن تحول البحر إلى ملاذ لعشرات الآلاف من الشباب والأطفال الذين اختاروا المخاطرة بأرواحهم والفرار من واقع البطالة والهشاشة وضيق الأفق، يمثل وثيقة إدانة صارخة لنظام يطالب مواطنيه بالتحمل والتكيف مع البؤس ثم الدفع بهم لممارسة “مواطنة شكلية” عبر التصويت لترميم واجهة الاستبداد.
ورغم بريق الملاعب والإنشاءات الضخمة المعروضة إعلامياً، فإن الأسئلة الجوهرية التي فجرها حراك الشباب ستظل قائمة ومطبقة على صدور مسيّري المرحلة: ما هو مصير المدرسة والمستشفى العموميين؟ وأين هي الكرامة وحق العيش الكريم؟ ومن الذي قرّر هذه المشاريع الباهظة ومن يدفع ثمنها الحقيقي من قوت الشعب المغربي؟
إن الإصرار على مواصلة هذا النهج واستمرار الخيارات الاقتصادية والاجتماعية المنحازة لفئات محدودة لن يؤدي، والحالة هذه، إلا إلى تعميق التناقضات الطبقية وتجميع صواعق الانفجار الداخلي. فبينما تُصرف المليارات وتُسخر كافّة إمكانيات الدولة للورشات الكبرى والمشاريع الاستعراضية، تُترك الأغلبية الساحقة من المواطنين لمواجهة الغلاء الفاحش وتدهور الخدمات الأساسية وانتشار البطالة.
إن إغلاق قنوات التعبير السياسي الحقيقي وتغليب أوهام التسويق المونديالي على حساب كرامة المواطن وحقوقه الأساسية لن يجلب للمغرب استقراراً، بل يفتح الباب واسعاً أمام موجات جديدة ومتصاعدة من الاحتقان الاجتماعي والبؤس الشعبي؛ فالواجهات الحكومية المفتعلة قد تستمتع بدعم المخزن لفترة، لكنها ستظل عاجزة عن إلغاء الأسئلة الحارقة التي فرضها الشارع ولن تستطيع كبح طوفان التغيير القادم.
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
