حرب المغرب الهجينة ضد إسبانيا: من غدر الصحراء الغربية إلى اجتياح سبتة وتجريد مدريد من أوراق قوتها

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «حرب المغرب الهجينة ضد إسبانيا: من غدر الصحراء الغربية إلى اجتياح سبتة وتجريد مدريد من أوراق قوتها»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
لم تكن المشاهد الدامية والتدفق الممنهج لقرابة ثمانين ألف شخص عبر الحدود البحرية لمدينة سبتة المحتلة في أواخر شهر يوليو الماضي مجرد أزمة هجرة عابرة أو حادثة معزولة في سجل التوترات الإقليمية، بل شكلت تجلياً صارخاً لفصل جديد من فصول الحرب الهجينة التي يخوضها النظام المغربي ضد السيادة الإسبانية.
إن هذا الهجوم المباشر على التخوم الشمالية للمملكة الإسبانية يمثل المحطة الرابعة ضمن سلسلة متواصلة من الاعتداءات المباشرة على سلامة أراضيها، وهي سلسلة تمتد جذورها إلى إرهاصات مرحلة الانتقال الديمقراطي في مدريد وأواخر عهد الملك الإسباني خوان كارلوس الأول.
وتأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية ابتزاز جيوسياسية طويلة المدى يعتمدها المخزن، تتقلب حدتها ومستوياتها بمرور العقود تبعاً للمستجدات والمتغيرات المرتبطة بملف الصحراء الغربية —آخر مستعمرة في إفريقيا— التي تشكل المحرك الأساسي والدينامو الموجه لسلوك الرباط الخارجي.
وتعود البدايات التاريخية لهذه السياسة الهجومية إلى خريف عام 1975، وتحديداً إلى السادس عشر من تشرين أكتوبر، عندما أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري التاريخي بشأن الصحراء الغربية، مؤكدة أن الإقليم لم يكن أرضاً بلا صاحب وقت الاستعمار الإسباني، ونافيةً في الوقت ذاته وجود أي روابط سيادة إقليمية تجمع الإقليم بالمملكة المغربية أو المجموعة الموريتانية.
وأمام هذا الانكسار القانوني والدبلوماسي المدوّي، سارع الملك الحسن الثاني إلى تجاوز المقررات الأممية وعرقلة مسار تصفية الاستعمار الذي أدارته مدريد لأكثر من تسعة عقود، مستغلاً احتضار الجنرال فرانكو وشلل القرار السياسي الإسباني.
وبدعم وتنسيق مباشرين من واشنطن، حشد النظام المغربي زهاء 350 ألف شخص ضمن ما سُمي بـ”المسيرة الخضراء” —والتي أطلق عليها الصحراويون بحق اسم “الرعاية السوداء”— للضغط على الدولة الإسبانية وإجبارها على الانسحاب القسري من الإقليم، وتجريد الشعب الصحراوي من حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير.
ولم تكن تلك المسيرة مجرد تحرك مدني عريض، بل جرى تنظيمها بعناية فائقة عبر نقل المئات من آلاف القرويين والمحرومين في قطارات وشاحنات ضخمة نحو طرفاية على الحدود الصحراوية، مع دس عناصر القوات النظامية وعملاء الاستخبارات بقيادة العقيد أحمد الدليمي في أوساط الموكب.
وفي الوقت الذي كانت فيه الوحدات العسكرية الإسبانية المرابطة على الخطوط الأمامية تنتظر الأوامر الصارمة للدفاع عن مواقعها، كانت حكومة أرياس نافارو تتفاوض في الكواليس ومن خلف ظهر الشعب الصحراوي والجيش والممثليات الأممية لترتيب التنازل عن الإقليم.
بالتوازي مع ذلك، اخترقت القوات المسلحة الملكية الحدود الشرقية يوم 31 أكتوبر لاحتلال بلدات إشديديرية والهيطة والفرسية التي أخلتها القوات الإسبانية، ليجد جيش التحرير الشعبي الصحراوي الوليد نفسه يخوض معارك ضارية في مواجهة الغزو، مدافعاً عن الأرض وعن اللواء الإسباني الذي كان لا يزال يرفرف في العيون. لقد شكلت تلك الحادثة نقطة فارقة أورثت المؤسسة العسكرية الإسبانية شعوراً عميقاً بالمهانة، ومنحت نظام المخزن أسبقية استراتيجية لا يزال يستغلها حتى اليوم.
وبعد مرور سبعة وعشرين عاماً على انكسار إسبانيا في الصحراء الغربية، اختبرت الرباط مجدداً حدود الصبر الإسباني في يوليو 2002، عبر افتعال أزمة جزيرة “ليلى” (بيريخيل). ففي محاولة لاختبار التماسك السياسي للحكومة الإسبانية برئاسة خوسيه ماريا أثنار ومقايضة النفوذ في مضيق جبل طارق، أقدمت عناصر من الدرك ثم المشاة البحرية المغربية على احتلال الصخرة غير المأهولة الخاضعة للسيادة الإسبانية ونصب العلم المغربي عليها، تحت ذريعة مكافحة تهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية.
غير أن الرد الإسباني جاء هذه المرة مغايراً تماماً لسيناريو 1975؛ إذ تحركت مدريد بدعم دبلوماسي صريح من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ونفذت القوات المسلحة الإسبانية “عملية روميو-سييرا” عبر إنزال جوي محكم لنخبة من قوات العمليات الخاصة، حيث تم تحييد واعتقال عناصر القوة المغربية دون إطلاق نار وإعادة فرض السيادة الوطنية على الجزيرة. ورغم التداعيات السياسية اللاحقة، أثبتت تلك الأزمة أن الوقوف الحازم أمام استفزازات المخزن هو السبيل الوحيد لردع أدوات الابتزاز.
غير أن المعادلة الجيوسياسية شهدت تحولاً دراماتيكياً مع وصول الحزب الاشتراكي للسيطرة على مقاليد الحكم في إسبانيا، وتحديداً خلال صيف عام 2021، حيث استبدل نظام المخزن التكتيكات العسكرية المباشرة بأسلحة الهجرة الديموغرافية والضغط الرقمي. ففي مايو 2021، فتحت السلطات المغربية بشكل متعمد المعابر الحدودية في بنزو والتراخال لتسهيل دخول أكثر من عشرة آلاف مهاجر إلى مدينة سبتة، كرد انتقامي على استضافة مدريد الإنسانية للرئيس الصحراوي إبراهيم غالي للعلاج.
واقترن هذا الاجتياح البشري باختراق أمني عالي المستوى لهواتف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز وعدد من وزرائه عبر برنامج الجاسوسية “بيغاسوس”، مما أسفر عن تسريب جيغابايتات من البيانات الحساسة. وأعقب ذلك استدعاء الرباط لسفيرتها بأسلوب تهديدي، ليخضع القرار السياسي الإسباني لتراجعات متتالية تمثلت في إقالة وزيرة الخارجية أرانشا غونثاليث لايا، ثم التحول التاريخي المفاجئ لسانشيز في مارس 2022 بدعم طرح “الحكم الذاتي” المغربي المتصادم مع القانون الدولي، وهو الموقف الذي جرى إعلانه من الرباط مخالفا للإجماع الداخلي في إسبانيا ومدمراً للشراكة الاستراتيجية مع الجزائر.
ولم تتوقف التنازلات عند الحدود السياسية، بل امتدت لتشمل تجريد الدولة الإسبانية من أدوات الرصد والاستخبارات؛ حيث صدرت أوامر صارمة لعملاء المركز الوطني للاستخبارات الإسبانية (CNI) بالانسحاب الفوري وتفكيك شبكاتهم التشغيلية داخل المغرب عقب إعلان “الشراكة للقرن الحادي والعشرين”.
وجاء هذا الإجراء، الذي كشفت عنه الصحافة الإسبانية لاحقاً، ليعمي عيون مدريد عن التحركات الداخلية للمخزن، ولا سيما بعد أن فضح جهاز الاستخبارات الإسباني الأنشطة الموازية التي يرعاها النظام المغربي عبر الحركة الفوقية المفتعلة التي قادها العميل حاج أحمد لترويج الأطروحات المغربية في المحافل الدولية بدعم من شخصيات سياسية إسبانية سابقة.
ونتيجة لغياب الرقابة الاستخبارية والارتهان السياسي، جاء اجتياح سبتة في صيف 2026 ليتوج مسار التبعية، حيث اندفعت موجات هائلة بلغت زهاء 80 ألف شخص نحو الحدود البحرية للمدينة في غضون يومين، متسببة في كارثة إنسانية وضغط ديموغرافي وأمني غير مسبوق تجاوز الطاقة الاستيعابية للمدينة وأغرقها في حالة استثناء واقعية.
إن ملابسات اجتياح سبتة الأخير تعكس حجم التوظيف الخالي من المبادئ للإنسان من قبل سلطات المخزن، التي نقلت المئات من الشباب والأطفال المغاربة عبر شاحنات رسمية ونظمت إلقاءهم في البحر لتصدير الأزمات الداخلية للمملكة المغربية وتغطية التناقضات المادية الصارخة.
وفي الوقت الذي احتشدت فيه الأدلة المصوّرة وتأكيدات الطب الشرعي الإسباني حول وقوع عشرات الضحايا ورفض الرباط استلام جثامينهم، استمرت الحكومة الإسبانية في تنكب الحقائق وإعفاء النظام المغربي من المسؤولية عبر إلقاء اللائمة حصراً على شبكات التهريب.
إن هذا الإصرار على تغطية الواقع وتبرئة المخزن، الذي أُطلقت يده للتدخل حتى في القرارات السيادية المتعلقة بالتشريعات الموجهة للصحراويين أو العلاقات الدبلوماسية الخارجية لدولة إسبانيا، يثبت أن استراتيجية الابتزاز الهجين ستظل وسيلة الرباط المفضلة لإخضاع الجوار الإقليمي، ما لم تستعد المؤسسات السياسية والقضائية في مدريد زمام المبادرة لفرض سيادة القانون وحماية المصالح الوطنية العليا.
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
