الصحراء الغربية.. واشنطن ترضخ لتعديل مسودتها تحت ضغط التوازنات الأممية

الصحراء الغربية.. واشنطن ترضخ لتعديل مسودتها تحت ضغط التوازنات الأممية

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «الصحراء الغربية.. واشنطن ترضخ لتعديل مسودتها تحت ضغط التوازنات الأممية»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.

تخفيف صياغة الحكم الذاتي، وإعادة إدراج مبدأ تقرير المصير، والتراجع عن فرض جدول زمني لتقليص بعثة المينورسو، تعديلات تكشف حدود المناورة الأمريكية داخل مجلس الأمن، من دون أن تمسّ جوهر التوجه الرامي إلى جعل المقترح المغربي الإطار الوحيد للمفاوضات.

لم تمرّ المسودة الأمريكية الأولى لمشروع القرار بشأن الصحراء الغربية من دون إثارة تحفظات داخل مجلس الأمن، إذ عادت واشنطن، في النسخة المعدّلة المعروفة باسم «Draft 1»، إلى مراجعة عدد من الصياغات والأحكام التي تضمنتها النسخة الأولية «Draft 0»، في خطوة تعكس حساسية التوازنات الدبلوماسية والقانونية المحيطة بأحد أكثر الملفات تعقيدًا في أجندة الأمم المتحدة.

وتكشف المقارنة بين النسختين، وفق ما نشرته وكالة «Agenzia Nova» الإيطالية في 27 أكتوبر 2026، أن التعديلات لم تقتصر على تحسين الصياغة، بل شملت نقاطًا أساسية تتعلق بمبدأ تقرير المصير، ومستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو»، وآليات الضغط على الأطراف المعنية.

وتكتسب هذه المراجعة أهمية خاصة لأنها جاءت قبل التصويت المرتقب في مجلس الأمن على تجديد ولاية البعثة، التي تنتهي في 31 أكتوبر الجاري، ما يجعل الصياغة النهائية للمشروع اختبارًا لقدرة واشنطن على الجمع بين توجهها السياسي ومتطلبات التوافق داخل الهيئة الأممية.

الحكم الذاتي.. تراجع في الصياغة

يبرز التغيير الأول في استبدال عبارة «الحل الوحيد القابل للتطبيق» بعبارة «الحل الأكثر قابلية للتطبيق»، في وصف الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية. وقد يبدو الفارق لغويًا محدودًا، لكنه يحمل دلالة سياسية واضحة، إذ ينتقل النص من صيغة حصرية تستبعد ضمنيًا البدائل الأخرى إلى صيغة أقل جزمًا، تسمح بهامش أوسع للمناورة الدبلوماسية.

ويعكس هذا التعديل إدراكًا لحساسية استخدام لغة توحي بالحسم المسبق لمآل نزاع لا يزال مطروحًا أمام الأمم المتحدة، خصوصًا في ظل تمسك جبهة البوليساريو بخيار الاستقلال، وتأكيد الجزائر دعمها حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.

تقرير المصير يعود إلى صلب النص

من أبرز التعديلات كذلك إعادة التأكيد صراحة على مبدأ تقرير المصير، ليس في ديباجة مشروع القرار فحسب، بل أيضًا في الفقرة التنفيذية المتعلقة بالتسوية السياسية.

وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من أن النسخة صفر أبقت على الإشارة إلى المبدأ في الديباجة، لكنها لم تتضمنه صراحة في الفقرة التنفيذية المركزية بالصيغة التي أعادتها النسخة المعدّلة. ويمنح هذا التغيير المبدأ حضورًا أوضح داخل النص المقترح، بدل أن يظل محصورًا في مقدمته.

ومن الناحية السياسية، تمثل إعادة إدراج تقرير المصير استجابة لأهمية الحفاظ على لغة أممية مألوفة، وعدم إظهار المشروع وكأنه يستبق النتيجة النهائية للنزاع قبل التوصل إلى تسوية متفق عليها.

المينورسو.. تراجع عن إعادة الهيكلة المفروضة مسبقًا

على مستوى بعثة المينورسو، حملت المسودة الأولى تصورًا أكثر حسمًا لمستقبلها، إذ اقترحت إنهاء مكون حفظ السلام في 30 أبريل 2027، وتحويل البعثة تلقائيًا إلى مهمة سياسية خاصة اعتبارًا من الأول من مايو، مع تقليص عدد أفرادها العسكريين النظاميين بنسبة لا تقل عن 50 بالمائة قبل 31 يناير 2027.

أما النسخة المعدّلة، فتخلت عن هذا الجدول الزمني الإلزامي، وأبقت على ولاية البعثة حتى 31 أكتوبر 2027، مع إحالة القرارات المتعلقة بمستقبلها إلى مجلس الأمن، في ضوء المقترحات التي سيقدمها الأمين العام للأمم المتحدة والتقدم المحرز في العملية السياسية.

كما أُزيل الهدف الرقمي المحدد لتقليص الأفراد العسكريين، وأُحيلت مسألة إعادة تنظيم القوات والمواقع الميدانية إلى التقييمات والمقترحات الأممية اللاحقة.

ويعني هذا التعديل أن واشنطن تخلت، في النسخة الجديدة، عن فرض تحول تلقائي ومحدد سلفًا في طبيعة البعثة، لمصلحة مسار تدريجي يخضع لتقدير مجلس الأمن بناءً على المعطيات الميدانية والسياسية.

ولا يمثل ذلك تراجعًا عن فكرة إعادة تقييم دور المينورسو، لكنه يمنح المنظمة الدولية هامشًا أوسع لتحديد مستقبلها، ويقلل من احتمالات فرض تغييرات مؤسسية وعسكرية قبل تقييم انعكاساتها على الاستقرار وعلى قدرة البعثة على أداء مهامها.

تخفيف الضغط السياسي على الأطراف

لم تقتصر التعديلات على الحكم الذاتي والبعثة الأممية، بل امتدت إلى لغة التعامل مع الأطراف. فقد حُذف البند الذي كان يشير إلى إمكانية اتخاذ تدابير إضافية في حال عدم الانخراط بصورة بناءة في العملية السياسية، كما أُزيلت الإشارة التي تنتقد عدم التزام أحد الأطراف بصورة جوهرية بالمفاوضات.

ويخفف هذا التغيير من الطابع التصادمي الذي اتسمت به بعض فقرات النسخة الأولى، ويمنح المشروع صياغة أكثر قابلية للتفاوض بين أعضاء مجلس الأمن.

وتكتسب هذه النقطة أهمية لأن التلويح بإجراءات إضافية ضد الأطراف قد يؤدي إلى تعميق الخلاف بشأن المسؤولية عن تعثر المسار السياسي، في حين أن حذف هذه الإشارة يترك مساحة أكبر للجهود الدبلوماسية الرامية إلى إبقاء الأطراف منخرطة في العملية التفاوضية.

ولا يعني ذلك اختفاء الضغوط السياسية أو تراجع أهمية الالتزام بوقف الأعمال العدائية والانخراط في المفاوضات، وإنما يعكس اختيار لغة أقل حدة في مشروع القرار المعدّل.

لاجئو تندوف.. القانون الدولي وعدم التدخل

وفي الشق الإنساني، تتضمن النسخة المعدّلة توضيحات تتعلق باحترام القانون الدولي للاجئين، وضمان الوصول دون عوائق، وعدم التدخل في عمل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى جانب الطلب المتعلق باستكمال تسجيل سكان مخيمات تندوف خلال ستة أشهر.

ويمثل هذا الملف جانبًا مهمًا من المشروع، نظرًا لارتباطه بحماية اللاجئين، ودقة البيانات السكانية، وتوفير الظروف اللازمة لتنفيذ الحلول الطوعية والمستدامة وفق المعايير الدولية.

لكن من الضروري إبقاء هذا المسار ضمن إطاره الإنساني والقانوني، وعدم الخلط بين تسجيل اللاجئين وبين حسم الوضع السياسي النهائي للصحراء الغربية؛ فلكل منهما غايات وآليات مختلفة، حتى عندما تتقاطع انعكاساتهما السياسية.

ماذا تعني التعديلات بالنسبة إلى الجزائر؟

بالنسبة إلى الجزائر، تكتسب هذه التغييرات أهمية بالنظر إلى تمسكها المعلن بمبدأ تقرير المصير وضرورة التوصل إلى تسوية في إطار الأمم المتحدة. فإعادة إدراج هذا المبدأ في الفقرة التنفيذية، والتراجع عن فرض جدول زمني مسبق لإعادة هيكلة المينورسو، يتيحان هامشًا أوسع للنقاش بشأن المرجعية القانونية والسياسية للعملية الأممية.

غير أن القراءة الدقيقة للمشروع تقتضي عدم المبالغة في دلالة هذه التعديلات؛ فهي لا تعني أن واشنطن تخلت عن دعم مقترح الحكم الذاتي المغربي، ولا أن النسخة الجديدة أعادت تلقائيًا جميع الخيارات السياسية إلى مستوى متكافئ داخل المفاوضات.

فالمقترح المغربي لا يزال، وفق التقارير التي اطلعت على المسودة المعدّلة، الأساس الوحيد المحدد للمفاوضات، وهو ما يبقي جوهر الخلاف قائمًا بشأن مدى اتساع العملية السياسية، والضمانات التي ينبغي أن تحكم التسوية النهائية، وكيفية التعبير عن إرادة الشعب الصحراوي.

وعليه، فإن التحدي الدبلوماسي يتمثل في متابعة الصياغة النهائية للمشروع، وتقييم ما إذا كانت الإشارات المستعادة إلى تقرير المصير ستنعكس على الأحكام التنفيذية، أم ستظل محدودة الأثر أمام الإبقاء على الإطار التفاوضي الحصري.

واشنطن تبحث عن التوافق من دون التخلي عن هدفها

تظهر المقارنة بين «Draft 0» و«Draft 1» أن الولايات المتحدة اختارت مراجعة عدد من الأحكام التي قد تعرقل التوصل إلى توافق داخل مجلس الأمن، خصوصًا تلك المتعلقة بالحسم المسبق لمستقبل المينورسو، واللغة الأكثر تشددًا بشأن الحكم الذاتي، وإمكانية فرض تدابير إضافية على الأطراف.

وبذلك، لا يمكن وصف المسودة المعدّلة بأنها انقلاب على النسخة الأولى، كما لا يصح اختزالها في تعديلات شكلية لا قيمة لها. إنها مراجعة تجمع بين تنازلات لغوية وإجرائية ذات دلالة، واستمرار في التوجه السياسي العام للمشروع.

وفي نهاية المطاف، لن تُقاس أهمية هذه التعديلات بمجرد المقارنة بين العبارات، بل بما ستفضي إليه المفاوضات داخل مجلس الأمن، وبمدى انعكاس الصياغة النهائية على مستقبل البعثة الأممية، وعلى مكانة تقرير المصير، وعلى شروط التوصل إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار.

وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.

وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.

مصري كاتب ومحرر في جريدة مانشيت، يقدّم تغطية إخبارية ومحتوى موثوقًا يلتزم بالدقة والوضوح ومراجعة المعلومات قبل النشر.