
تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «حرائق الغابات في الجزائر.. حين تتحول الثروة الطبيعية إلى هدف في حسابات التخريب»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
من الميدان إلى التحقيقات الأمنية، يفتح الوثائقي الجديد لوزارة الدفاع الوطني ملفًّا تتجاوز أبعاده الخسائر البيئية، ليطرح أسئلة عن استغلال الأزمات، وشبكات التجنيد العابرة للحدود، وحدود التهديدات التي تواجه الأمن الوطني.
لم تكن حرائق الغابات التي شهدتها عدة ولايات جزائرية خلال صيف 2026 مجرد اختبار لقدرة أجهزة الإطفاء على احتواء النيران، أو لفاعلية التدخلات الميدانية في حماية السكان والممتلكات. فبينما كانت فرق الحماية المدنية، مدعومة بمختلف المصالح المعنية ومواطنين، تخوض سباقًا مع الزمن للسيطرة على الحرائق، كانت التحقيقات الأمنية تسعى إلى تحديد أسباب اندلاعها، والتمييز بين ما تفرضه الظروف الطبيعية وما قد يكون ناجمًا عن أفعال إجرامية متعمدة.
وفي هذا السياق، أعاد الفيلم الوثائقي «كشف مكائد الخيانة وخيوط العمالة»، الذي بثته القنوات العمومية والمنصات الرسمية مساء السبت 17 أكتوبر، تسليط الضوء على جانب بالغ الحساسية من القضية، من خلال عرض اعترافات مصوّرة لأشخاص موقوفين، ومعطيات قالت وزارة الدفاع الوطني إنها تكشف ارتباط بعض عمليات إحراق الغابات بمخطط تخريبي ذي امتدادات خارجية.
وتكتسب هذه القضية أهميتها من طبيعة الهدف الذي تتحدث عنه التحقيقات؛ فالغابة ليست مجرد مساحة خضراء قابلة للاحتراق، بل ثروة بيئية واقتصادية واجتماعية، يرتبط بها استقرار السكان، وحماية الأراضي الزراعية، والتوازنات الطبيعية، فضلًا عن كونها جزءًا من الرصيد الوطني الذي تتطلب حمايته جهودًا متواصلة واستثمارات طويلة الأمد.
من ألسنة اللهب إلى خيوط التحقيق
أعادت وزارة الدفاع الوطني، عبر الوثائقي، طرح فرضية وجود صلات بين بعض الحرائق وأعمال تخريبية منظمة، مستندة إلى اعترافات أشخاص أوقفوا للاشتباه في تورطهم في إضرام النيران بولايتي قسنطينة وقالمة، وإلى معطيات تتعلق باتصالاتهم بأطراف تنشط من الخارج.
وبحسب ما أوردته التغطية الإعلامية الجزائرية، تتضمن القضية اتهامات لأمير بوخرص، المعروف باسم «أمير دي زاد»، بالاضطلاع بدور في استغلال أشخاص داخل البلاد وتوجيههم نحو تنفيذ أعمال تخريبية، من بينها إحراق الغابات. كما تناولت المواد المنشورة أسماء أشخاص آخرين، وعلاقات واتصالات قالت التحقيقات إنها تدخل ضمن مسار تجنيد المشتبه فيهم وتمويل الأنشطة المنسوبة إليهم.
وكانت صحيفة «الخبر» قد تناولت، في تغطيتها السابقة لبث الوثائقي، مضمون الاعترافات المصوّرة، فيما عرضت صحيفة «النصر» تفاصيل إضافية بشأن ما ورد في التسجيلات، بما في ذلك المزاعم المتعلقة بالإغراءات المالية والوعود بتسهيل الهجرة إلى الخارج. وتبقى هذه المعطيات، في حدود ما أُعلن إعلاميًا، جزءًا من رواية التحقيقات الرسمية بشأن القضية.
وتتمثل النقطة الأساسية هنا في ضرورة التمييز بين الوقائع التي يمكن إثباتها بأدلة مادية، والاتهامات التي يتعين أن تخضع للفحص والتحقيق والإجراءات القضائية المختصة. فخطورة الأفعال المنسوبة إلى المشتبه فيهم لا تقلل من أهمية استكمال المسار القانوني، بل تجعل التوثيق الدقيق وتحديد المسؤوليات أمرين أساسيين لكشف الحقيقة كاملة.
التجنيد من وراء الحدود.. المال والهجرة بوصفهما وسيلتين للاستغلال
من أبرز الجوانب التي أثارها الوثائقي الحديث عن استغلال الظروف الاجتماعية والطموحات الشخصية لبعض الأفراد لاستدراجهم إلى تنفيذ أعمال تخريبية، وفق الرواية التي عرضتها وزارة الدفاع الوطني.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الإغراءات المالية والوعود بتحسين الأوضاع المعيشية وتسهيل الوصول إلى الخارج كانت، بحسب التحقيقات، من الوسائل المستخدمة في استقطاب بعض الأشخاص. كما تحدثت المواد الإعلامية عن أساليب للمساومة والابتزاز، وعن علاقات يُشتبه في أنها ربطت منفذين ميدانيين بأطراف موجودة خارج البلاد.
وإذا ثبتت هذه المعطيات أمام الجهات القضائية، فإنها ستكشف عن نمط من الاستغلال لا يقوم بالضرورة على القناعة الفكرية وحدها، بل قد يعتمد أيضًا على تحويل الحاجة الاقتصادية والرغبة في الهجرة إلى أدوات للتجنيد والتوجيه.
وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنه يفصل بين صاحب القرار وصاحب التنفيذ؛ إذ يمكن لمن يدير العملية عن بُعد أن يحاول إخفاء دوره خلف أشخاص يتولون تنفيذ الأفعال على الأرض، بما يصعّب في البداية تحديد كامل شبكة العلاقات والمسؤوليات.
غير أن معالجة هذا الجانب تقتضي أيضًا عدم اختزال الظاهرة في عامل واحد. فمواجهة محاولات التجنيد، متى ثبت وجودها، تحتاج إلى عمل أمني وقضائي، بالتوازي مع تعزيز الوعي بمخاطر الاستدراج والابتزاز، وتوفير قنوات للإبلاغ عن محاولات الاستغلال، ومعالجة الظروف التي قد تجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للوقوع ضحية هذه الأساليب.
فالأمن الوطني لا ينفصل عن الأمن الاجتماعي، والوقاية من الاستغلال تظل أكثر فاعلية عندما تجتمع فيها اليقظة الأمنية مع الوعي المجتمعي والمسؤولية الفردية.
لماذا تمثل الغابات هدفًا بالغ الحساسية؟
إن إحراق الغابات، إذا ثبت تعمده في إطار مخطط منظم، يتجاوز الاعتداء على الممتلكات إلى إلحاق أضرار متشعبة يصعب حصرها في الخسائر المباشرة.
فالنيران قد تدمر الغطاء النباتي، وتتسبب في نفوق الحيوانات، وتضر بالتنوع البيولوجي، وتفاقم انجراف التربة، وتضعف قدرة النظم البيئية على التعافي. كما يمكن أن تمتد آثارها إلى النشاط الفلاحي ومصادر دخل السكان، فضلًا عن المخاطر التي تهدد الأرواح والمساكن والبنى التحتية.
وتزداد حساسية هذه الأضرار حين تتزامن الحرائق مع موجات الحر والجفاف والرياح، وهي عوامل قد تسهم في تسريع انتشار النيران وتعقيد عمليات إخمادها. لذلك، فإن تحديد أسباب كل حريق يقتضي تحقيقًا يراعي الأدلة الميدانية والظروف المناخية وطبيعة موقع اندلاع النيران، بدل افتراض سبب واحد لجميع الحرائق.
وقد أظهرت حصائل الحماية المدنية التي نقلتها وكالة الأنباء الجزائرية خلال جويلية 2026 اتساع نطاق التعبئة لمواجهة الحرائق في عدد من الولايات. وفي 28 جويلية، أعلنت الوكالة إخماد جميع الحرائق المسجلة منذ 8 جويلية، مع الشروع في إحصاء الأضرار والتحضير لتعويض المتضررين.
وتؤكد هذه المعطيات أن التعامل مع الحرائق يتطلب مسارين متكاملين: مسارًا ميدانيًا لحماية الأرواح والثروات واحتواء النيران، ومسارًا تحقيقيًا لتحديد الأسباب والمسؤوليات، ولا سيما عندما تبرز مؤشرات على وجود أفعال متعمدة.
من الجريمة المحلية إلى احتمال التخطيط المنظم
إن أهم ما تطرحه القضية، وفق ما عرضته وزارة الدفاع الوطني، هو احتمال وجود تداخل بين منفذين داخل البلاد وأطراف خارجية يُشتبه في توجيهها أو تمويلها لبعض الأنشطة.
وفي حال تأكدت هذه الروابط بالأدلة، فإنها ستكشف عن قضية لا تتعلق بالفعل المادي لإضرام النار وحده، وإنما تشمل كذلك آليات التجنيد والتمويل والتواصل وتوزيع الأدوار، وهي عناصر تساعد المحققين على الانتقال من تحديد المنفذ المباشر إلى كشف بقية المتدخلين المحتملين.
لكن إثبات وجود شبكة منظمة يتطلب أكثر من مجرد وجود اتصالات أو علاقات شخصية؛ إذ ينبغي تحديد طبيعة تلك الاتصالات، ومدى ارتباطها بالأفعال موضوع التحقيق، ومصدر الأموال إن وُجدت، والمهام التي كُلّف بها كل شخص، والأدلة التي تسند الاتهامات الموجهة إليه.
ومن هنا، تبرز أهمية التحقيقات التقنية والرقمية، وتحليل المعطيات المادية، ومطابقة التصريحات مع الأدلة المستقلة، بما يتيح بناء ملف متماسك يمكن عرضه على القضاء.
كما أن الامتداد الجغرافي المحتمل لبعض العلاقات يفرض تعاونًا قانونيًا وأمنيًا وفق الأطر المعمول بها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأشخاص أو تحويلات أو اتصالات تقع خارج الحدود الوطنية.
وفي هذا المستوى تحديدًا، لا تقاس فاعلية المؤسسات الأمنية بسرعة توقيف المشتبه فيهم فحسب، وإنما أيضًا بقدرتها على كشف الوقائع كاملة، وتحديد المسؤوليات الفردية، وتقديم أدلة قابلة للتحقق القضائي.
الاختبار الحقيقي.. حماية الثروة واستعادة ثقة المتضررين
على الرغم من أهمية الجانب الأمني في القضية، فإن آثار الحرائق على السكان والبيئة تظل في صلب المسؤولية الوطنية. فالمواطن الذي فقد مصدر رزقه أو تضررت أرضه الزراعية لا تعنيه معرفة أسباب الحريق فقط، بل يحتاج كذلك إلى جبر الأضرار واستعادة شروط الحياة الطبيعية.
وقد نقلت وكالة الأنباء الجزائرية، في 28 جويلية الماضي، أن السلطات شرعت في إحصاء الخسائر والتحضير لتعويض المتضررين، كما نقلت متابعة وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل لملف التعويضات. ويجعل ذلك من متابعة تنفيذ الالتزامات المعلنة عنصرًا أساسيًا في استكمال الاستجابة للأزمة.
وفي الوقت نفسه، تفرض التجارب المتكررة مع الحرائق تعزيز الوقاية، من خلال مراقبة المناطق الحساسة، وتحسين قدرات الإنذار المبكر، وتطوير التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتكثيف التوعية بمخاطر إشعال النيران، إلى جانب دعم برامج إعادة التشجير واستعادة النظم البيئية المتضررة.
فالمقاربة الأمنية، مهما بلغت أهميتها، لا تغني عن المقاربة الوقائية والبيئية؛ إذ إن أفضل النتائج تتحقق عندما تتكامل حماية الغابات قبل اندلاع الحرائق مع سرعة التدخل أثناءها، ثم التحقيق في أسبابها ومحاسبة المسؤولين عنها بعد احتوائها.
الحقيقة الكاملة هي أساس الردع
يفتح وثائقي «كشف مكائد الخيانة وخيوط العمالة» نافذة على ما تؤكّد وزارة الدفاع الوطني إنه جانب تخريبي من قضية حرائق الغابات، ويعيد إلى الواجهة مسألة استغلال الأزمات الطبيعية لتحقيق أهداف تتجاوز الأضرار المباشرة التي تخلفها النيران.
وتبقى القيمة الأهم لأي كشف من هذا النوع في قدرته على تحويل المعطيات الأولية إلى حقيقة ثابتة بالأدلة، وتحديد المسؤوليات دون تعميم، وضمان أن تفضي التحقيقات إلى نتائج قضائية واضحة. فالمواجهة الفعالة للأعمال الإجرامية لا تقوم على كشف المنفذين وحدهم، بل على تفكيك آليات التخطيط والتمويل والتجنيد، وسد الثغرات التي تسمح بتكرارها.
كما أن حماية الجزائر من التهديدات التي تستهدف استقرارها وثرواتها لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تتطلب أيضًا مؤسسات يقظة، ومواطنين واعين، وإعلامًا يميز بين الخبر المثبت والاتهام، وسياسات مستدامة لحماية البيئة ودعم المتضررين.
وفي نهاية المطاف، فإن الغابات التي نجت من النيران، والأراضي التي تحتاج إلى التعافي، والعائلات التي تنتظر استعادة ما فقدته، تذكّر جميعًا بأن القضية أكبر من سجال سياسي أو إعلامي. إنها مسألة حماية للإنسان والثروة والحق العام.
وتظل الرسالة الأوضح أن أي اعتداء متعمد على الممتلكات والثروات الوطنية يستوجب كشفًا دقيقًا ومحاسبة وفق القانون، وأن صون الاستقرار يزداد قوة كلما استند إلى الحقيقة، والعدالة، والوقاية، والثقة بين المواطن ومؤسساته.
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
