من النفط إلى الأسواق الناشئة: كواليس وتداعيات أزمة إيران والخليج على اقتصاد مصر والعالم (4)

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «من النفط إلى الأسواق الناشئة: كواليس وتداعيات أزمة إيران والخليج على اقتصاد مصر والعالم (4)»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
تتناول الحلقة الرابعة والأخيرة من هذا الملف الاستقصائي دروس أزمة مضيق هرمز، وتأثيرها على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وانعكاساتها على مصر وقناة السويس، مع بحث حدود البدائل ومخاطر الصدمات المقبلة.
ملف استقصائي إعداد د. محمد غالي :
بعد ستة أشهر من اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، جلس فريق من الباحثين في معهد ماكينزي العالمي -يضم تياغو ديفيزا، وميكالا كريشنان، وهومايون تاي، وكريس برادلي، وشوبهام سينغال، ولوتشيانو دي فيوري، ودييغو هيرنانديز دياز، وخواكين ريبليد- لإجراء تشريح دقيق لما وصفوه بأكبر صدمة إمداد في تاريخ أسواق الطاقة الحديثة. النتيجة التي توصل إليها الفريق كانت مفاجئة جزئياً: النظام العالمي للطاقة أظهر مرونة أكبر بكثير مما توقعه كثيرون، لكن هذه المرونة قائمة على “ممتصات صدمة” بدأت تتآكل بسرعة.فوفق حسابات الفريق، بلغت الذروة القصوى للاضطراب نحو 14% من إجمالي إمدادات النفط والغاز العالمية مجتمعة، وهي نسبة تفوق ضعفي حجم صدمات السبعينيات النفطية، وتتجاوز ست مرات الأثر الذروي لأزمة الغاز الروسي-الأوكراني عام 2022. ومع ذلك، ورغم أن صدمة بهذا الحجم كانت ستؤدي -وفق تقديرات أحد فروع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في دالاس- إلى خفض نمو الاقتصاد الأميركي بنحو 5.6 نقطة مئوية لو وقعت في عام 1980، فإن الأثر الفعلي هذه المرة كان أقل بعشرين مرة تقريباً.السبب، بحسب فريق ماكينزي، أن العالم لم يعد يتحرك بذات “كثافة الطاقة” التي كان عليها قبل خمسين عاماً، وأن دروس الأزمات السابقة تركت خلفها بنية تحتية من خطوط أنابيب بديلة ومخزونات استراتيجية وشبكات تجارة متنوعة قادرة على “إعادة التوصيل” بسرعة. خطوط الأنابيب البديلة لعبت دوراً محورياً؛ فخط “شرق-غرب” السعودي الرابط بين أبقيق وينبع على البحر الأحمر، وخط أبوظبي الرابط بين حبشان والفجيرة، معاً نقلا كميات إضافية قُدّرت بنحو 4.7 مليون برميل يومياً حول المضيق المغلق. لكن هذين الخطين تحوّلا خلال الأزمة إلى هدفين مباشرين للهجمات، كما جرى مع خط “شرق-غرب” في سبتمبر 2026، وهو ما كشف الهشاشة الكامنة في فكرة “المسار البديل” نفسها: حين تتسع رقعة الصراع، حتى البدائل تصبح عرضة للتعطل.الاختناق الحقيقي، بحسب الفريق، لم يكن في الخام نفسه، بل في قطاع التكرير. فمصافي الخليج خفّضت إنتاجها بأكثر من ربع طاقتها، ليس فقط بسبب اضطرابات المضيق، بل لأن كثيراً منها تعرض لأضرار مباشرة. المصافي في مناطق أخرى عملت بطاقة شبه كاملة لكنها لم تستطع تعويض الفجوة بالكامل، خصوصاً أن كثيراً منها اضطر للتعامل مع أنواع خام لم تكن مصممة أصلاً لمعالجتها.وحين حاول الباحثون رسم صورة لما بعد الأزمة، خلصوا إلى أن الإجراءات الجارية والمطروحة للنقاش -من توسعة الأنابيب إلى بناء مخزونات جديدة إلى تسريع الكهربة والطاقة النظيفة- يمكن أن تعوّض بحلول 2030 ما بين 35% و70% من تدفقات ما قبل الأزمة عبر المضيق في حال تكرار صدمة مشابهة. لكن الجزء الأكبر من هذا التعويض المحتمل سيأتي من خطوط أنابيب جديدة تحوّل مسار النفط الخليجي دون أن تحل محل الاعتماد عليه أصلاً، وهي خطوط تظل بدورها عرضة لاضطرابات إقليمية أوسع، كما أثبتت الهجمات على خط “شرق-غرب” نفسه.هذه الخلاصة تحمل دلالة مباشرة لمصر تحديداً. فمكانتها كمركز عبور وتكرير وإعادة تصدير للطاقة تجعلها، وفق تصنيف فريق ماكينزي للاقتصادات بحسب “بصمتها الأمنية للطاقة”، أقرب إلى فئة الدول التي تُدار مخاطرها عبر بوابات بحرية ضيقة أكثر من كونها مستوردة صافية بسيطة. فأي حديث عن إعادة رسم خرائط الطاقة العالمية -سواء عبر خطوط أنابيب خليجية جديدة تتجاوز هرمز، أو عبر تحويل الشحن الآسيوي-الأوروبي إلى مسارات بديلة تتفادى البحر الأحمر بالكامل- يحمل تهديداً مباشراً لموقع قناة السويس نفسها، ولطموح مصر في أن تصبح مركزاً إقليمياً لتجارة الغاز المسال.وربط باحثو “فوكس إي يو” في دراستهم -التي أشرف عليها فريق من بنك إيطاليا يضم أليساندرو دورازيو وسيمون إميليوتزي وفابريتسيو فيرياني وأندريا غزاني وماركو تابوغا وجيوفاني فيرونيزي- بين هذه الأزمة وأزمة الطاقة الأوروبية عام 2022، موضحين أن الفارق الجوهري هذه المرة أن الصدمة كانت مادية ومباشرة وليست مدفوعة بعقوبات كما في حالة روسيا، وأن جغرافيا الأزمة انتقلت هذه المرة من أوروبا إلى آسيا كمركز ثقل رئيسي، فيما جاءت الظروف الأولية أفضل نسبياً بفضل مخزونات مرتفعة قبل الحرب وسوق أقل توتراً على المستوى الاقتصادي الكلي.في نهاية المطاف، يبدو أن الدرس الأهم الذي يخرج به كل من تابع هذه الأزمة عن قرب -من محللي “جيه بي مورغان” الذين اعترفوا بعجزهم عن التنبؤ، إلى اقتصاديي البنك الدولي الذين أعادوا رسم توقعات النمو العالمي، إلى زياد داوود الذي رأى في صمود مصر استثناءً يستحق التأمل، إلى باحثي ماكينزي الذين رسموا خريطة “ممتصات الصدمة” وحدودها- هو أن أمن الطاقة لم يعد رفاهية استراتيجية بل ضرورة يومية. فمصر التي نجحت حتى الآن في تحويل صدمة خارجية إلى اختبار قابل للاجتياز، بفضل توقيت أفضل وسياسة صرف أكثر مرونة وشبكة دعم خليجي لا تزال صامدة، تبقى في الوقت نفسه رهينة لقرار يُتخذ على ضفاف مضيق بعيد لا تملك فيه صوتاً ولا قراراً. وهذا بالضبط ما يجعل سؤال أمن الطاقة، بالنسبة للقاهرة، سؤالاً وجودياً لا مجرد بند في تقرير اقتصادي: كم من الوقت تبقّى قبل أن تبلغ ممتصات الصدمة الحالية -المخزونات، الدعم الخليجي، مرونة سعر الصرف- حدودها القصوى؟
خاتمة: فاتورة لم تُغلق بعد
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
