
تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «جريمة “أكديم إيزيك” تكشف الوحشية المخزنية وتفضح تواطؤ أجهزة الرباط ضد الشرعية الدولية»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
تتواصل في معتقلات الاحتلال المغربي أسطورة الصمود الباسل التي يخوضها أبطال مجموعة “أكديم إيزيك” عبر معركة “الأمعاء الخاوية”، في ملحمة نضالية تعري مجدداً البشاعة الإنسانية والانتهاكات الممنهجة التي يمارسها نظام المخزن ضد المعتقلين السياسيين الصحراويين. فمنذ تفكيك مخيم أكديم إيزيك بالقوة الغاشمة والعنف الدموي بضواحي العيون المحتلة في نوفمبر 2010، لم يتوقف القصر الملكي وأجهزته السجنية عن ممارسة أشكال الانتقام والتعذيب والتنكيل بحق الناشطين الذين لم تكن “جريمتهم” سوى التنديد باحتلال أرضهم والمطالبة بالحرية لبلادهم.
واليوم، وبعد مضي ستة عشر عاماً من الاعتقال الجائر والاحتجاز في سجون مظلمة تبعد مئات الكيلومترات عن عائلاتهم وذويهم، خاض تسعة معتقلين صحراويين إضراباً مفتوحاً عن الطعام منذ الثالث والعشرين من سبتمبر الماضي، دفاعاً عن أجسادهم المنهكة وكرامتهم المسلوبة، ليضعوا نظام الرباط أمام فاجعة أخلاقية وإنسانية جليلة تشهد عليها المنظمات الحقوقية عبر العالم.
ولم تكن ردة فعل الإدارة السجنية المخزنية سوى الإمعان في أساليب القمع والتضييق والتعتيم، حيث واجهت مطالب المعتقلين المشروعة بفرض عزل فردي صارم، وحرمان من التواصل، وتقييد الزيارات العائلية، فضلاً عن عمليات النقل القسري والمهين بين المعتقلات.
وبحسب الشهادات المؤلمة التي نقلتها العائلات وممثلو الهيئات الحقوقية، فقد اضطر أربعة من المعتقلين التسعة —وهم محمد بشير بوطنكرة، وأحمد السباعي، وعبد الله أباح، والحسين الزاوي، وحسن الداه، والنعمة أسفاري، ومحمد لمين هادي، ومحمد باني، وبشير خدا— إلى تعليق إضرابهم بسب التدهور الخطر والمباشر لحالتهم الصحية.
وتكشف المعطيات الواردة من داخل السجون عن مشاهد مروعة؛ إذ جرى نقل الأسيّر حسن الداه مجرداً من ملابسه ومعرضاً للتعذيب الجسدي والنفسي خلال عملية نقل قسرية دون إبلاغ ذويه، فيما تقيأت والدة المعتقل محمد بشير بوطنكرة وإخوته الدم أمامه بعدما شاهدوه عاجزاً عن المشي بقدميه نتيجة الإعياء الشديد.
أما المعتقل أحمد السباعي فقد نُقل إلى المستشفى دون الكشف عن اسمه أو مكانه لعائلته، في وقت تخشى فيه بنات المعتقل الحسين الزاوي —الذي يعاني من الفشل الكلوي والربو وارتفاع ضغط الدم— على حياة والدهن أمام أبواب السجن دون الحصول على أي إجابة تؤكد إن كان لا يزال على قيد الحياة.
وتأتِي هذه الانتهاكات الجسيمة لتضع أجهزة المخزن في مواجهة مباشرة مع الهيئات الحقوقية والمنظمات الأممية التي تحذر من التبعات الكارثية على حياة الأسرى؛ إذ تتابع المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، مسار الإضراب بقلق بالغ.
والواقع أن احتجاز مجموعة “أكديم إيزيك” برمتها يمثل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي؛ حيث سبق لـ “فريق العمل الأممي المعني بالاحتجاز التعسفي” التابع للأمم المتحدة أن أصدر في نوفمبر 2023 رأياً قاطعاً أكد فيه أن حرمان معتقلي أكديم إيزيك من حريتهم هو إجراء تعسفي وغير قانوني، مطالباً بالإفراج الفوري عنهم.
كما أقرت لجنة مناهضة التعذيب الأممية في مناسبات عدة بأن الاعترافات والتصنيفات التي اتُخذت ذريعة لإدانتهم أحكاماً قاسية استُلت وتمّ الحصول عليها تحت طائلة التعذيب والتنكيل، غير أن سلطات الاحتلال المغربي رفضت فتح أي تحقيق أو الالتزام بتوصيات ومقررات الأجهزة الأممية.
ولم تقف الشراسة المخزنية عند حدود أسوار السجون ومعاملة المعتقلين، بل امتدت لتطال عائلاتهم والمتضامنين معهم بالبطش والترهيب؛ فعندما نظمت العائلات تجمعاً سلمياً أمام المقر العام لإدارة السجون بالرباط للمطالبة بإنقاذ حياة أبنائها، جابهتها قوات الأمن المغربية بالتدخل العنيف والاعتقالات التعسفية التي طالت المدافع عن حقوق الإنسان حسانة الدويحي وستة طلاب آخرين، وسط حملة تشويه إعلامية قادتها بوق الصحافة التابعة لسكرتير الملك عبر منصة “Le360″، والتي وصف المظاهرة السلمية بـ “شغب العناصر الانفصالية”.
علاوة على ذلك، واصل المخزن ملاحقة الأصوات المتضامنة دولياً، من خلال منع الناشطة الفرنسية كلود مانجان —زوجة المعتقل النعمة أسفاري— من دخول الأراضي المغربية وتكرار منعها من الترانزيت أو النزول في ميناء طنجة، في إطار سلسلة مطاردات ومضايقات أمنية امتدت حتى إلى الأراضي الإسبانية، ما يؤكد حالة الرعب التي تنتاب نظام الاحتلال من انكشاف ملفاته السوداء أمام الإعلام والرأي العام الدولي.
إن المعركة الهادفة التي يخوضها أبطال “أكديم إيزيك” بأجسادهم العارية وأمعائهم الخاوية ليست مجرد احتجاج داخل أسوار المعتقلات، بل هي وثيقة إدانة تاريخية وسياسية تُسقط المساحيق عن النظام المغربي وتفضح طبيعته الاستبدادية القائمة على البطش والانتهاك الممنهج لحقوق الإنسان.
إن صمود العائلات الصحراوية وثبات المعتقلين أمام التعذيب والمنع والتضييق يثبتان للعالم أجمع أن القضية الصحراوية قضية تحرر عادلة لا يمكن كسرها بمنطق السجون ولا بسياسات الأمر الواقع، وأن استمرار الرباط في تحدي القرارات الأممية وتجاهل مطالب الإفراج الصادرة عن أعلى الهيئات الدولية لن يزيد القضية إلا تجذراً وحضوراً، ولن يعفي الاحتلال من المساءلة والملاحقة القانونية والأخلاقية التي ستطال كافة المتورطين في هذه الجرائم البشعة.
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
