المخزن يُعمّق تعاونه مع الكيان على حساب تطلعات الشارع المغربي وأمن المنطقة؟

المخزن يُعمّق تعاونه مع الكيان على حساب تطلعات الشارع المغربي وأمن المنطقة؟

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «المخزن يُعمّق تعاونه مع الكيان على حساب تطلعات الشارع المغربي وأمن المنطقة؟»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.

دخلت العلاقات بين نظام المخزن المغربي والكيان الصهيوني مرحلة خطيرة وغير مسبوقة من التعاون “الشامل والمعلن”، تتجاوز المجالات الدبلوماسية لتشكل تحالفاً وثيقاً في الشؤون العسكرية والأمنية والاقتصادية، في وقت يتكشف فيه التحول الهيكلي لهذا المسار الذي أضحى خياراً حيوياً ورسمياً للبلاط.

ففي مقال تحليلي عميق نشره الصحافي والأستاذ الجامعي المغربي عمر بروكسي —الرئيس السابق لتحرير أسبوعية “لوجورنال” المستقلة— عبر موقع “ميديابارت” الفرنسي تحت عنوان “بين المغرب وإسرائيل.. تعاون شامل وبلا عقد”، توقف بروكسي عند إعلان الرباط وتل أبيب رسمياً عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما من مكتبي اتصال إلى سفارتين كاملتي الصلاحيات وتعيين سفيرين.

وتأتي هذه الخطوة تتويجاً علنياً لمسار متجذر من العلاقات الوثيقة التي كانت تُدار سابقاً في الكواليس وتحت سواتر خفية، ليتم تكريسها اليوم كشراكة رسمية مكشوفة لا تقيم أدنى وزن للضمير الجمعي أو المكانة التاريخية للقضية الفلسطينية لدى الشعوب المغاربية والإسلامية.

وتفضح ملابسات هذا الإعلان وتوقيته الحسابات السياسية المكشوفة للرباط؛ إذ جاء التوصل للاتفاق خلال اجتماع عُقد في السادس عشر من سبتمبر الجاري في نيويورك بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الصهيوني جدعون ساعر، برعاية مباشرة من السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.

ولم يكن خافياً أن هذا التطور الجسيم، الذي أكده بيان رسمي لوزارة الخارجية الإسرائيلية وتضمن تفاهمات لتعزيز الاستثمارات وتوسيع الخطوط الجوية والزيارات الرسمية، قد أُخرج إلى النور في خضم الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية المغربية التي جرت في 23 سبتمبر، وقبل أسابيع قليلة من الانتخابات الإسرائيلية.

غير أن محاولة النظام المغربي استغلال الضجيج الانتخابي للتغطية على هذا الاختراق الخطير لم تمحُ الأثر السياسي والرمزي المباشر لإضفاء الشرعية الكاملة على سفارة صهيونية في الرباط، وهو التطور الذي جوبه باحتجاجات وتنديد واسع، مؤكداً أن الاستحقاقات السياسية الشكلية لم تعد قادرة على حجَب التواطؤ المخزني.

ولا يُعد هذا التخندق الصهيوني في بنية الدولة المغربية وليد الساعات الأخيرة، بل تعود جذوره التاريخية إلى عقود مضت من التنسيق الاستخباراتي الخفي خلال ستينيات القرن الماضي؛ إلا أن اتفاقات ديسمبر 2020 نقلت الشراكة من القنوات المظلمة إلى المستوى المؤسساتي العلني والمكشوف. ويتجلى ذلك بوضوح في المجال العسكري والأمني، حيث أظهرت بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) أن الكيان الصهيوني بات يحتل المرتبة الثالثة كأكبر مورد للسلاح إلى المملكة المغربية بعد الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

واقترن هذا التدفق بالتأسيس لصناعة عسكرية مشتركة داخل المغرب لتجميع الطائرات المسيرة (الدرونز)، إلى جانب توقيع صفقة ضخمة لاقتناء قمر صناعي مخصص لأغراض التجسس والمراقبة من شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI) —وهي المؤسسة الحكومية العسكرية العملاقة الناشطة في تطوير الصواريخ والأنظمة الدفاعية والتي تقرر مشاركتها رسمياً في المعرض الدولي للطيران بمراكش المزمع عقده بين 7 و10 أكتوبر 2026.

وامتدت خطورة هذا الحلف الوثيق لتشمل ملف الصحراء الغربية والمجالات البحرية والتجارية، في خطوة تمس الأمن الإقليمي برمتها؛ فبعد الاعتراف الصهيوني في يوليو 2023 بسيادة المغرب المزعومة على الإقليم المحتل، سارع المخزن إلى منح شركة “نيو ميد إنرجي” الصهيونية ترخيصاً جائراً للتنقيب عن المحروقات في المساحات البحرية قبالة شواطئ الصحراء الغربية.

ولم تتوقف الانتهاكات عند هذا الحد، بل تعدتها إلى تحويل الموانئ المغربية إلى نقاط دعم لوجستي وعسكري للبحرية العسكرية الصهيونية، وهو ما تجسد في رسو السفينة الإسرائيلية “آي إن إس كوميميوت” بميناء طنجة في يونيو 2024 للتزود بالإمدادات أثناء توجهها من الولايات المتحدة إلى الكيان.

وكما أكد المؤرخ والفاعل الحقوقي المغربي المعطي منجب، فإن هذا التمدد العسكري الصهيوني على مقربة من المضيق وسواحل شمال إفريقيا يثير قلقاً وإرهاقاً إقليمياً جاوز الحدود الجزائرية ليصل إلى الجار الإسباني، نظرًا للتداعيات الجيوسياسية الخطيرة لوجود قواعد ونشاطات صهيونية على خطوط الملاحة الدولية.

وعلى الصعيد الاقتصادي والمالي، تحول التطبيع إلى شريان لتغذية اقتصاد الكيان؛ إذ كشفت البيانات أن حجم المبادلات التجارية بين الرباط وتل أبيب بلغ نحو 240 مليون يورو خلال عام 2024 ليقفز إلى 265 مليون يورو في عام 2025. وتتوج هذه الأرقام بتدفق الاتفاقيات المرتقبة لضمان حماية الاستثمارات، ومنع الازدواج الضريبي، وتوسيع الشراكات الجوية للتنقل والمرور المباشر، والمخطط لتمرير تنفيذ الجزء الأكبر منها قبل نهاية عام 2026.

وتكشف هذه الترتيبات المالية المتسارعة أن المخزن يرهن أصول البلاد ومقدراتها الاقتصادية لصالح الشركات الصهيونية، مضحياً بالمصالح الوطنية والأخلاقية لقاء أوهام الدعم السياسي والعسكري لحماية عرشه ونفوذه المتهالك.

غير أن التحدي الأكثر خطورة في القراءة البنيوية التي يقدمها عمر بروكسي والمعطي منجب، يتمثل في المساعي الحثيثة للمخزن للجم الشارع وإضعاف القدرة التعبوية للحركات المناهضة للتطبيع.

ورغم أن الرفض الشعبي والاحتقان يظل عارماً ومشتعلاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي المظاهرات الحاشدة المنظمة في عشرات المدن المغربية، فإن سلطات المخزن تراهن على عدم إلمام قطاعات واسعة من المواطنين بالتفاصيل الدقيقة والخطيرة للتعاون الدفاعي والتصنيع العسكري المشترك.

إن الانتقال من مكتبي الاتصال إلى سفارتين كاملتين لا يمثل بداية جديدة بقدر ما هو تجميع وتتويج لمسار طويل من الانخراط المخزني الشامل في المخططات الصهيونية-الأمريكية. غير أن الرهان على محو القضية الفلسطينية من وجدان الشعب المغربي أو تحييد قوى رفض التطبيع يظل رهاناً خاسراً؛ فالتاريخ أثبت أن التحالف مع الاحتلال لن يجلب للنظام سوى العزلة الوطنية وتعميق الفجوة مع الشارع، ليظل السخط الشعبي صاعقاً ينتظر لحظة الانفجار بوجه هندسة الاستبداد والتطبيع.

وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.

وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.

مصري كاتب ومحرر في جريدة مانشيت، يقدّم تغطية إخبارية ومحتوى موثوقًا يلتزم بالدقة والوضوح ومراجعة المعلومات قبل النشر.