عودة إلى عالم الألغاز.. هل يربح يوسف الشريف لعبة “فن الحرب”؟ | فن

عودة إلى عالم الألغاز.. هل يربح يوسف الشريف لعبة “فن الحرب”؟ | فن

ليس غريبا على الفنان يوسف الشريف أن يغرد منفردا، فهو ما اعتاده جمهوره في كثير من أعماله. لذلك جاءت عودته إلى الدراما الرمضانية عبر مسلسل “فن الحرب” محاولة جديدة لدخول المنافسة من بوابة مختلفة نسبيا، تقوم على فكرة الخداع المدروس واللعبة الذهنية أكثر من اعتمادها على الصدام المباشر. مع إعادة طرح سؤال قديم في الدراما: هل يمكن للذكاء وحده أن يكون سلاحا كافيا في مواجهة شبكة من المصالح والنفوذ؟

ومن خلال قصة تتقاطع فيها الرغبة في الانتقام مع مهارة التمثيل، يحاول العمل أن ينسج عالما تتبدل فيه الوجوه والحقائق باستمرار. ومع كل خطوة يخطوها البطل داخل هذه اللعبة، تتكشف طبقات جديدة من الحكاية، ليصبح المشاهد شريكا في محاولة فهم ما يجري، لا مجرد متلق للأحداث. هذه المقاربة تمنح المسلسل طابعا يعتمد على التشويق، حيث تتحول كل حركة صغيرة إلى احتمالات مفتوحة لمفاجآت أكبر.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

العمل ينتمي إلى دراما الثلاثين حلقة، وهو من تأليف عمرو سمير عاطف وإخراج محمود عبد التواب، وبطولة كل من يوسف الشريف وشيري عادل وريم مصطفى وإسلام إبراهيم ومحمد جمعة ودنيا سامي وكمال أبو رية وكريم أدريانو ومحمد عبده وريم رأفت وياسر محمد علي، إلى جانب عدد من ضيوف الشرف.

وتدور الأحداث حول زياد الذي تنقلب حياته رأسا على عقب حين يسجن والده -رجل الأعمال المعروف- بعد اتهامه ظلما في قضية احتيال كبرى. وفي محاولة لإنقاذ سمعة والده وتبرئته، يجد البطل نفسه مضطرا إلى إعادة الأموال المسروقة إلى الضحايا.

ومع تتبع العديد من الخيوط المتشابكة للقضية، يكتشف زياد شبكة معقدة من المصالح تقف خلف كل ما جرى، وبدلا من المواجهة، يكوّن فريقا من بعض الضحايا الآخرين، مستفيدا من موهبته في التمثيل والتنكر لصناعة هويات مزيفة والتسلل إلى دوائر خصومه المغلقة. وهكذا تبدأ لعبة طويلة تعتمد على سلسلة من الحيل الذكية التي قد تبدو محكمة، لكنها لا تخلو من قدر كبير من المخاطرة.

عودة بعد غياب

يعود الممثل يوسف الشريف إلى دراما رمضان بعد غياب استمر نحو 5 سنوات، عبر مسلسل “فن الحرب”، وهو عمل يندرج ضمن دراما التشويق الذهني التي ارتبط اسمه بها خلال السنوات الماضية ولطالما حظيت بمتابعة جماهيرية واسعة.

ويمكن إرجاع ذلك إلى تناول هذه الأعمال أفكارا غير تقليدية في الدراما العربية، واعتمادها على بناء سردي قائم على التصاعد التدريجي للأحداث، بحيث يجد المشاهد نفسه مدفوعا إلى متابعة الحلقات بحثا عن تفسير لما يجري.

كما تحرص هذه الأعمال عادة على تقديم بطل يمتلك قدرا هائلا من الذكاء والقدرة على التحليل، وهو نموذج يجد صدى لدى شريحة من الجمهور، لا سيما أولئك الذين يميلون إلى القصص المركبة.

ومع ارتباط اسم يوسف الشريف في ذهن كثير من المتابعين بهذا النوع من الدراما التي تمزج بين الغموض والرهان على عنصر المفاجأة، باتت أعماله تستقبل بقدر من الفضول والترقب في كل موسم يظهر فيه، ولهذا جاء “فن الحرب” ضمن أكثر الأعمال المنتظرة في رمضان 2026.

لكن بالرغم من أن المسلسل يسير إلى حد كبير على النهج نفسه من حيث العالم الدرامي القائم على فكرة اللغز، فإنه اختار منح مساحة أوسع للشخصيات المساندة مقارنة ببعض أعمال الشريف السابقة.

كما يلاحظ أنه مزج التشويق بشيء من الكوميديا، وهو ما يتزامن مع افتقاده في بعض لحظاته إلى العمق الفلسفي الذي ميز تلك التجارب، إذ يظل التركيز منصبا بدرجة أكبر على حركة الأحداث وتسارعها أكثر من التأمل في أبعادها الدرامية.

فكرة غير مبتكرة

من الأشياء التي افتقدها العمل أيضا مقارنة بمسيرة الشريف السابقة، الابتكار الكامل في الفكرة، إذ جاءت تحمل بعض نقاط التقاطع مع أعمال درامية وسينمائية اعتمدت على التخطيط الجماعي والتضليل، من بينها المسلسل المصري “بـ100 وش” والمسلسل الإسباني “بيت المال” (La Casa de Papel) والفيلم الأمريكي “الآن أنت تراني” (Now You See Me).

ويتمثل القاسم المشترك في تشكيل فريق لتنفيذ خطط معقدة، والاعتماد على التنكر، وبناء الأحداث على عنصر المفاجأة. ومع ذلك تختلف طبيعة المعالجة الدرامية في كل عمل، إذ يميل “بـ100 وش” إلى الطابع الكوميدي الشعبي الذي يجعل عمليات النصب أقرب إلى المغامرات الخفيفة، بينما يتجه “فن الحرب” إلى أجواء أكثر جدية وتشويقا.

أما “بيت المال” فيقوم على فكرة سرقة مركزية كبرى تدور حولها الأحداث على امتداد العمل، في حين يركز المسلسل المصري على سلسلة عمليات وخطط متتابعة ترتبط بدافع شخصي هو الانتقام وكشف الحقيقة.

وفي المقابل، يلتقي العمل مع فيلم “الآن أنت تراني” في فكرة إعادة ترتيب المشهد أمام الجمهور عبر المناورة، غير أن الفيلم يعتمد على الخدع السحرية البصرية، بينما يستند “فن الحرب” إلى التمثيل والتنكر بوصفهما وسيلة نفسية للتلاعب بالخصوم.

التسلية وحدها لا تكفي

ورغم كل التوقعات المرتفعة المسبقة، فإن المسلسل لم يحقق النجاح المرجو، وإن حافظ على نسب مشاهدة مقبولة لكنها لا تتناسب مع الأرقام والإحصاءات التي اعتاد الشريف تحقيقها.

وهو ما يعود إلى بعض العيوب الفنية، مثل اعتماد البناء الدرامي على الحيل المتتالية أكثر من اعتماده على تطور الشخصيات نفسيا، والحوار الذي يشرح كل شيء أكثر مما ينبغي، مما يحد من لذة الاكتشاف لدى المشاهد، ووقوع الإيقاع أحيانا في فخ التباطؤ نتيجة تكرار شرح المهمات أو الإعداد المطول للخطط.

وإن كان أسوأ ما بالعمل هو الأداء التمثيلي، بداية من يوسف الشريف نفسه، الذي قدم أداء هادئا أكثر منه انفعاليا، ما جاء مناسبا لطبيعة الشخصية، لكنه جعل المشاهد الإنسانية تبدو شديدة السطحية وبلا تأثير.

مرورا بريم مصطفى التي كانت تحتاج مساحة أكبر لتطوير الشخصية ومشاهد أكثر ثراء لإظهار أي نوع من الانفعالات، وصولا إلى إسلام إبراهيم الذي -رغم ما يعرف عنه من خفة ظل- فإن الكوميديا التي يقدمها جاءت مبتذلة وتقليدية.

باب لتجارب لاحقة

في النهاية، يمكن النظر إلى مسلسل “فن الحرب” باعتباره محاولة لإعادة تقديم دراما الخداع الذهني في إطار عربي، مستفيدا من عناصر الإثارة التي تستهوي جمهور الموسم الرمضاني، وإن كان من الأفضل لو جاء في 15 حلقة فقط بدلا من الإطالة.

ومهما اختلفت الآراء حول تفاصيل التنفيذ، فإن المسلسل يلفت الانتباه إلى مساحة درامية لا تزال قابلة للتطوير في التلفزيون العربي، وهي مساحة القصص التي تعتمد على الذكاء الاستراتيجي، وربما تكون القيمة الحقيقية للعمل أنه يفتح بابا لتجارب لاحقة قد تمضي بهذه الفكرة إلى آفاق أوسع وأكثر جرأة.

محرر أخبار بشغف كبير لتغطية الأحداث السياسية والاقتصادية بشكل واضح ودقيق، هدفي دايمًا أقدم لك تقارير وتحليلات موثوقة تساعدك تفهم الأخبار بعمق وبأسلوب بسيط وموضوعي.