59.2 مليار دولار.. صندوق النقد الدولي يكشف أثر مرونة سعر الصرف في زيادة الاحتياطيات الدولية لمصر
خطوة استراتيجية جديدة خطاها الاقتصاد المصري نحو التعافي المستدام، تمثلت في إعلان صندوق النقد الدولي اليوم عن اعتماد مراجعتين حاسمتين ضمن برنامج الإصلاح الشامل. هذا القرار لا يمنح مصر ضوءاً أخضراً دولياً فحسب، بل يفتح الباب أمام تدفقات مالية جديدة تعزز من استقرار العملة المحلية وتدعم القدرة الشرائية للمواطنين في مواجهة التحديات العالمية المتلاحقة.
تحول جذري في أرقام الاحتياطي النقدي المصري
شهدت الاحتياطيات الدولية لمصر قفزة ملموسة بفضل سياسة مرونة سعر الصرف التي اتبعتها الدولة مؤخراً. ووفقاً لبيانات رسمية صادرة عن صندوق النقد الدولي، فقد نجحت هذه السياسة في دفع الاحتياطيات من مستوى 54.9 مليار دولار المسجل في ديسمبر 2024 لتقترب من حاجز 60 مليار دولار بحلول نهاية ديسمبر 2025. الزيادة الكبيرة التي بلغت نحو 4.3 مليار دولار في عام واحد تعكس نجاح البنك المركزي في إدارة السيولة الأجنبية وجذب رؤوس الأموال، مما وفر حائط صد قوياً حطم كثيراً من التكهنات السلبية حول قدرة الاقتصاد على الوفاء بالتزاماته الدولية.
هذا التحسن لم يتوقف عند أرقام الاحتياطي فقط، بل امتد ليشمل الأداء المالي للدولة بصورة عامة. فقد سجلت الحصيلة الضريبية ارتفاعاً ملحوظاً أسهم في سد الفجوات التمويلية، ويأتي هذا النجاح المالي في وقت اتسمت فيه السياسة الحكومية بضبط الإنفاق وترشيد الاستثمارات العامة، مما خلق توازناً سمح بخفض العجز ورفع الكفاءة المالية الكلية للدولة.
توقعات متفائلة لمعدلات النمو والتضخم
تتوقع التقارير الدولية الصادرة اليوم أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي نمواً قوياً يصل إلى 4.4% خلال السنة المالية 2024-2025. هذا النمو يأتي مدفوعاً بعودة الثقة في القطاع الخاص وزيادة الإنتاجية. الأهم من ذلك بالنسبة للمواطن العادي هو المسار النزولي الذي اتخذه التضخم، حيث تشير التقديرات إلى انخفاض كبير ليصل إلى 11.9% بحلول يناير 2026. هذا التراجع المتوقع في وتيرة زيادة الأسعار يعطي أملاً في استقرار الأسواق وعودة التوازن للقوة الشرائية للأسر المصرية التي عانت من موجات غلاء سابقة.
صندوق النقد يمنح مصر تمويلاً جديداً بقيمة ملياري دولار
في تطور يعكس عمق الشراكة بين القاهرة وواشنطن (مقر الصندوق)، اعتمد المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبلغ قيمته الإجمالية 8 مليارات دولار. هذا الاعتماد يترتب عليه صرف تمويل فوري بقيمة 2.3 مليار دولار. القسم الأكبر من هذا المبلغ، والمقدر بملياري دولار، يغطي المراجعتين الخامسة والسادسة، بينما تخصص الـ 300 مليون دولار المتبقية لدعم جهود مصر ضمن آلية تمويل المرونة والاستدامة، وهي مبالغ ستدخل شرايين النظام المصرفي قريباً لتعزيز استقرار السوق.
عودة قوية للاستثمارات الأجنبية المباشرة
الرسالة الأهم التي حملها بيان الصندوق اليوم تتعلق بعودة ثقة الأسواق العالمية في سندات الدين المصرية. قدرة الدولة على العودة لإصدار أدوات دين في الأسواق الدولية ليست مجرد وسيلة للاقتراض، بل هي شهادة جدارة ائتمانية تجذب المستثمرين الأجانب. نلاحظ بوضوح زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر التي تخلت عن حذرها السابق وبدأت في ضخ سيولة طويلة الأمد في مشاريع إنتاجية، إضافة إلى انتعاش رؤوس الأموال قصيرة الأجل (الأموال الساخنة) التي تبحث عن عوائد مرتفعة في سوق يتسم الآن بالشفافية والوضوح.
تبدو الصورة العامة للاقتصاد المصري في طريقها نحو استقرار أكثر رسوخاً، حيث تلتقي الإصلاحات الهيكلية مع الدعم الدولي لترسم ملامح مرحلة جديدة. نجاح مصر في تجاوز مراجعات الصندوق وحصولها على دفعات تمويلية جديدة، مع تزايد الاحتياطي النقدي وتراجع التضخم، كلها مؤشرات تؤكد أن السياسات النقدية والمالية الصارمة بدأت تؤتي ثمارها الفاعلة على أرض الواقع.

تعليقات