جفاف تاريخي.. مثلث الموت يهدد غابات الأمازون وسط حرائق وتعدين غير قانوني بالزئبق

جفاف تاريخي.. مثلث الموت يهدد غابات الأمازون وسط حرائق وتعدين غير قانوني بالزئبق

تحولت غابات الأمازون، التي طالما اعتبرها الكوكب رئته التي يتنفس بها، إلى ساحة مفتوحة لواحدة من أعنف الأزمات البيئية والإنسانية في العصر الحديث. ما يحدث الآن ليس مجرد موجة حر عابرة، بل هو هجوم ثلاثي الأبعاد يجمع بين جفاف هو الأقسى منذ أكثر من مائة عام، وحرائق تلتهم الأخضر واليابس، ونشاط تعديني مدمر يغرق الأنهار بسموم الزئبق. هذا “المثلث القاتل” وضع المنطقة ومعها أمن الكوكب المناخي أمام اختبار وجودي غير مسبوق في عام 2026.

شرايين الأمازون تتحول إلى طرق طينية مهجورة

يعيش حوض الأمازون حالياً واقعاً مأساوياً بعد أن تحولت الأنهار العظيمة التي كانت تضج بالحياة إلى ممرات من الطين المتشقق. هذا الجفاف التاريخي لم يضرب التنوع البيولوجي فحسب، بل شل حركة النقل تماماً وباتت القرى المنعزلة التي تعتمد على القوارب في تنقلاتها وتامين غذائها في عزلة تامة. السفن التي كانت تحمل الإمدادات الطبية والغذائية باتت عالقة في القاع الجاف، مما يهدد بمجاعة صامتة تلوح في الأفق لسكان الغابة الأصليين.

الأمر لا ينتهي عند نقص المياه، بل إن انخفاض المنسوب كشف عن قيعان الأنهار التي أصبحت مرتعاً لعمليات التخريب البيئي، حيث يسهل الوصول الآن إلى مناطق كانت محمية في السابق بفضل كثافة الغابة وعمق المياه، وهو ما فتح الباب أمام أطماع لا تتوقف.

تعدين الذهب يضخ مخلفات الموت في الأنهار

وسط هذا الانكسار البيئي، استغلت عصابات التنقيب غير القانوني، المعروفة محلياً باسم “جاريمبيرو”، الوضع للتوغل في أعماق الغابة بشكل لم يحدث من قبل. هؤلاء المنقبون يعتمدون على مادة الزئبق السامة لفصل الذهب عن الرواسب الطينية، وبسبب ندرة المياه وجفاف المجاري المائية، أصبحت تركيزات الزئبق في البقع المائية المتبقية قاتلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

هذه السموم لا تقتل الأسماك فحسب، بل تسللت إلى السلسلة الغذائية للبشر. التقارير القادمة من قلب الأمازون تتحدث عن حالات تسمم جماعي بين قبائل السكان الأصليين، تظهر في صورة أمراض عصبية حادة وتشوهات خلقية لدى المواليد الجدد. شريان الحياة الذي كان يغذي الملايين، تحول بفعل الجشع البشري والزئبق إلى مصيدة للموت تفتك بكل من يقترب منها.

حرائق متعمدة تهدد بانفجار أوبئة جديدة

بحلول عام 2026، لم تعد الحرائق مجرد حوادث طبيعية ناتجة عن صواعق البرق أو شدة الحرارة، بل صارت أداة يستخدمها المخربون لتطهير مساحات واسعة من الغابات وتحويلها إلى مناجم أو مراعٍ للماشية. الدخان الكثيف المنبعث من هذه الحرائق غطى مدناً كبرى وحول نهارها إلى ليل، مما أدى لارتفاع قياسي في مشاكل الجهاز التنفسي بين الأطفال وكبار السن.

الخطر الأكبر الذي يراقب العالم حدوثه برعب هو احتمالية خروج “فيروسات نائمة” من الغابة المحترقة. تداخل البشر القسري مع الحياة البرية الهاربة من النيران، والمستنقعات الملوثة التي خلفها المنقبون، خلقت بيئة مثالية لتكاثر البعوض الناقل لأمراض مثل الملاريا وحمى الضنك، وسط تحذيرات جدية من أن الأمازون قد تصبح بؤرة لجائحة عالمية قادمة إذا استمر هذا التدمير المنظم.

يبقى المشهد في الأمازون اليوم معقداً للغاية، حيث تؤكد الوقائع على الأرض أن ما يحدث هناك ليس مشكلة محلية تخص دول أمريكا الجنوبية وحدها، بل هو جرح ينزف في جسد الكوكب ككل. استعادة السيطرة على هذه الرئة المصابة تطلب تدخلاً يتجاوز مجرد إطفاء النيران، بل يتطلب وقف نزيف التسمم الكيميائي وحماية ما تبقى من هذا الكنز الطبيعي قبل فوات الأوان.

محرر أخبار بشغف كبير لتغطية الأحداث السياسية والاقتصادية بشكل واضح ودقيق، هدفي دايمًا أقدم لك تقارير وتحليلات موثوقة تساعدك تفهم الأخبار بعمق وبأسلوب بسيط وموضوعي.