تبدو بطولة كأس مصر في نسختها الحالية وكأنها تكتب فصلاً جديداً تماماً في تاريخ الكرة المصرية، حيث رفعت البطولة شعار “لا مستحيل في كرة القدم”. استيقظت الجماهير على واقع مغاير تماماً للسنوات الماضية، بعد أن تبخرت أحلام القطبين الأهلي والزمالك ومعهم المصري البورسعيدي في الصعود لمنصة التتويج، مما منح البطولة صبغة من الإثارة غير المتوقعة وفتح الطريق أمام قوى جديدة للمنافسة على اللقب الغالي.
سقوط الكبار ومفاجآت لم تكن في الحسبان
بدأ زلزال المفاجآت مبكراً جداً حين ودع النادي الأهلي، صاحب التاريخ الطويل في هذه المسابقة، المنافسات من دور الـ32. كانت الصدمة قوية على مشجعيه بعد الخسارة أمام المصرية للاتصالات بنتيجة هدفين مقابل هدف، في لقاء دراماتيكي امتد للأشواط الإضافية وحسمه هدف قاتل في الدقيقة 110. هذا الخروج المبكر لم يكن مجرد نتيجة عابرة، بل كان إشارة واضحة بأن هذه النسخة لن تخضع للمنطق التقليدي.
ولم يكن حال الزمالك، حامل لقب النسخة الماضية، أفضل حالاً من غريمه التقليدي، حيث انتهت مسيرته في دور الستة عشر على يد فريق سيراميكا كليوباترا. خسر الفارس الأبيض بهدفين مقابل هدف، ليترك الساحة خالية من قطبي الكرة المصرية في مرحلة متقدمة بشكل غير مألوف. لحق بهم المصري البورسعيدي الذي خسر رهانه أمام فريق زد في مباراة ماراثونية انتهى وقتها الأصلي والإضافي بالتعادل السلبي، قبل أن تبتسم ركلات الترجيح لفريق زد بنتيجة خمس ركلات مقابل أربع، ليودع أبناء بورسعيد البطولة وسط حسرة جماهيرهم.
خريطة المتأهلين وصراع المربع الذهبي
فرضت النتائج الأخيرة واقعاً جديداً في الأدوار النهائية، حيث حجز فريقا إنبي وزد مقعديهما في الدور نصف النهائي بانتظار اكتمال عقد المتأهلين. يترقب فريق إنبي الفائز من مواجهة بتروجت وبيراميدز ليكون خصمه القادم في صراع الوصول للمباراة النهائية، وهو يطمح لاستعادة أمجاده السابقة في هذه البطولة التي يمتلك فيها خبرة كافية للتعامل مع المفاجآت.
على الجانب الآخر، ينتظر فريق زد الطموح الفائز من موقعة سيراميكا كليوباترا وطلائع الجيش. هذه المواجهات المنتظرة تعكس حجم التوازن الكبير الذي تعيشه الكرة المصرية حالياً بين أندية الشركات والأندية الصاعدة، حيث لم تعد السيطرة حكراً على أندية معينة، بل أصبح النفس الطويل والتركيز العالي داخل الملعب هما المعيار الأساسي للتقدم في أدوار الكأس الإقصائية.
تاريخ كأس مصر وظاهرة خروج القطبين
تعتبر بطولة كأس مصر أعرق المسابقات الكروية في مصر، ودائماً ما كانت تشهد مفاجآت في الأدوار الأولى، لكن نادراً ما يجتمع خروج الأهلي والزمالك والمصري معاً قبل بلوغ المربع الذهبي. يعيد هذا المشهد للأذهان نسخاً قديمة من البطولة كانت تشهد تتويج فرق مجتهدة تمكنت من استغلال سقوط الكبار لبناء تاريخ لنفسها، وهو ما يجعل النسخة الحالية مرشحة لتكون تاريخية بكل المقاييس.
اتساع الفوارق الفنية لم يعد كبيراً كما كان في السابق، إذ باتت الأندية الأخرى تمتلك ميزانيات ضخمة وجهازاً فنياً قادراً على قراءة الخصوم وإغلاق المساحات أمام الفرق الكبيرة. هذا التطور ساعد بشكل مباشر في تحويل مسار الكأس بعيداً عن الجزيرة وميت عقبة، ووضع البطولة في حالة من الترقب حول هوية البطل الجديد الذي سيكسر الهيمنة التقليدية.
تتجه الأنظار الآن نحو المباريات المتبقية لتحديد أطراف المربع الذهبي بشكل كامل، ومع غياب الأسماء الرنانة، أصبح الطموح هو المحرك الأول للاعبين. تظل بطولة الكأس هي “بطولة المفاجآت” بامتياز، وما حدث هذا الموسم يؤكد أن الملاعب المصرية بدأت تشهد توازناً فنياً يخدم متعة المشاهد ويجعل التوقع بنتيجة أي مباراة أمراً في غاية الصعوبة.

تعليقات