لم تكن مجرد حلقات درامية تمر عابرة على الشاشات، بل تحول مسلسل “صحاب الأرض” إلى قذائف فنية اخترقت جدار الصمت وأربكت حسابات تل أبيب، فمع تتابع أحداث العمل في موسم دراما رمضان 2026، بدأت ملامح الغضب تظهر بوضوح في التصريحات الرسمية الإسرائيلية، التي لم تتحمل مرآة الحقيقة التي نصبها المسلسل أمام العالم، لتندلع معركة إعلامية ودبلوماسية وقودها “القوة الناعمة” المصرية وتوثيقها للواقع الفلسطيني المرير.
بيتر ميمي يلقن المتحدثة الإسرائيلية درسا في فن التوثيق
الشرارة انطلقت عندما حاولت الأذرع الإعلامية للاحتلال التشكيك في صدقية المشاهد التي يعرضها المسلسل، وادعت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي أن العمل يزيف الوقائع، وهنا جاء الرد صاعقاً ومباشراً من المخرج بيتر ميمي، الذي لم يكتفِ بالدفاع عن عمله، بل اختار المواجهة العلنية عبر منصات التواصل الاجتماعي، موجهاً حديثه للمسؤولة الإسرائيلية بتساؤل استنكاري حسم الجدل: “تزييف حقائق إيه؟ ده الفيديوهات موجودة!”.
هذا الرد لم يكن مجرد دفاع عاطفي، بل استند ميمي إلى حقيقة أن المسلسل يعتمد في جوهره على توثيق بصري لما جرى على الأرض، وأضاف المخرج بلهجة لم تخلُ من السخرية الفنية أنه بذل جهداً كبيراً في اختيار ممثلة تشبه المتحدثة الإسرائيلية تماماً لنقل صورتها وخطابها الحقيقي بلا رتوش، مؤكداً أن الفن الصادق هو الذي يوجع المعتدي، ومنهياً رسالته التي لاقت رواجاً واسعاً بعبارة “النصر لكل مظلوم” التي تحولت لوسم يتصدر محركات البحث.
غزة تحت المجهر وتفاصيل المواجهة في الحلقة الثامنة
على مستوى الحكاية، شهدت الحلقة الثامنة ذروة درامية تعكس حجم الملاحقة التي يتعرض لها الأبطال، حيث بدأت قوات الاحتلال عملية بحث مكثفة عن “فدوى” التي تؤدي دورها الفنانة سارة يوسف، وظهرت المتحدثة باسم جيش الاحتلال وهي تضغط بكل طاقتها على الناجين داخل أحد المستشفيات للحصول على معلومات، لتكتشف أن فدوى كانت بصحبة الطبيبة المصرية “سلمى”، الشخصية التي تجسدها النجمة منة شلبي، مما زاد من وتيرة التوتر والصراع داخل المسلسل.
هذا التشابك بين الطبيبة المصرية والقضية الفلسطينية يعكس عمق التلاحم الذي يريد المسلسل إيصاله، وهو ما جعل العمل يتجاوز كونه مجرد ترفيه رمضاني ليتحول إلى قضية رأي عام، فالمسلسل يسلط الضوء على الوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة عقب أحداث 7 أكتوبر، مقدماً قصصاً من لحم ودم بعيداً عن الشعارات الجوفاء، وهو ما أوجع الجانب الآخر الذي حاول جاهداً تشويه صورة العمل قبل أن يكتسب هذا الحشد الجماهيري.
دراما إنسانية وسط أهوال القصف والدمار
تدور قصة “صحاب الأرض” حول رحلة إنسانية شاقة يخوضها رجل فلسطيني، يلعبه الفنان إياد نصار، يحاول بكل ما أوتي من قوة إنقاذ ابن شقيقه وسط غبار القصف وانهيار المنازل، وفي هذه الأجواء القاتمة، تتقاطع دروبه مع الطبيبة “سلمى” التي وصلت إلى غزة ضمن قافلة إغاثة مصرية، ومن رحم المعاناة والدمار، تنشأ علاقات إنسانية معقدة وقصص حب وأمل تثبت أن إرادة الحياة أقوى من آلة القتل.
يشارك في بطولة هذا العمل الضخم نخبة من النجوم العرب، منهم كامل الباشا، وآدم بكري، وعصام السقا، وتارا عبود، وإياد حوراني، بالإضافة إلى وجوه شابة لفتت الأنظار مثل يزن عيد والطفل سمير محمد، وصاغ السيناريو والحوار عمار صبري مع تطوير لمحمد هشام عبية، بينما تولى الإنتاج الشركة المتحدة “United Studio” ليخرج العمل بصورة تليق بحجم القضية التي يناقشها.
تحول مسلسل “صحاب الأرض” إلى شهادة حية على نجاح الدراما في قيادة معركة الوعي، فالهجوم الإسرائيلي عليه لم يزده إلا بريقاً وانتشاراً، مؤكداً أن الكلمة والصورة الصادقة يمكنهما هزيمة الدعاية المضللة، ليظل المسلسل علامة فارقة في ماراثون رمضان، ليس فقط بنسب المشاهدة، بل بقدرته على إحداث زلزال داخل دوائر القرار في تل أبيب.

تعليقات