ذكاء الفكرة يسبق التمويل.. شابة تنجح في تحويل الهاتف الأرضي التقليدي إلى مشروع بقيمة مليون دولار

أحياناً تكون العودة إلى الماضي هي أسرع طريق للمستقبل، وهذا ما أثبتته شابة أمريكية استطاعت تحويل “الحنين إلى الماضي” إلى ثروة حقيقية. في وقت يتسابق فيه الجميع لامتلاك أحدث الهواتف الذكية المشبعة بالذكاء الاصطناعي، قررت كات جويتز السير في الاتجاه المعاكس تماماً، لتقدم للعالم فكرة بسيطة لكنها عبقرية: هواتف أرضية كلاسيكية تعمل بتقنية البلوتوث.

هذا المشروع الذي بدأ كحل شخصي للتخلص من إدمان الشاشات، تحول بسرعة الصاروخ إلى ظاهرة تجارية. ووفقاً لتقارير اقتصادية حديثة، حققت شركة “Physical Phones” التي أسستها جويتز مبيعات مذهلة تجاوزت 789 ألف دولار خلال عام 2025، مما يثبت أن السوق متعطش لكل ما هو بعيد عن ضجيج التنبيهات المستمرة.

قصة الفكرة التي ولدت من الإرهاق الرقمي

بدأت الحكاية في عام 2023، عندما شعرت الفتاة المقيمة في لوس أنجلوس بإرهاق شديد من ملازمة هاتفها الذكي طوال الوقت. اشتاقت كات إلى تلك الأيام التي كان فيها الهاتف وسيلة للتواصل الاجتماعي الهادئ داخل المنزل، بعيداً عن التمرير اللانهائي في تطبيقات التواصل الاجتماعي. فكرت في البداية بتركيب خط أرضي حقيقي، لكنها صُدمت بالتعقيدات والمصاريف الشهرية المرتفعة التي قد تصل إلى 80 دولاراً، فضلاً عن الحاجة لرقم جديد.

هنا استغلت جويتز خلفيتها العلمية من جامعة ستانفورد لتبتكر حلاً يجمع بين عالمين. فكرت في جهاز يشبه الهواتف القديمة التي نتذكرها في بيوت أجدادنا، لكنه يتصل لاسلكياً بالهاتف الذكي الموجود في جيبنا عبر البلوتوث. بهذه الطريقة، يمكن للشخص ترك هاتفه المحمول في غرفة أخرى والرد على المكالمات عبر سماعة الهاتف الأرضي الكلاسيكية، مما يقلل من فرص تشتت الانتباه بالشاشة.

من الفشل في البداية إلى انفجار المبيعات

الطريق لم يكن مفروشاً بالورود منذ اللحظة الأولى. ففي محاولتها الأولى عام 2023، عرضت نموذجاً أولياً لهاتف وردي جذاب، لكنها لم تبع قطعة واحدة حينها لأنها لم تكن تملك قاعدة جماهيرية. لكن كات لم تستسلم، بل استثمرت وقتها في بناء علامة تجارية شخصية عبر منصات التواصل الاجتماعي تحت اسم “CatGPT”، حيث بدأت تتحدث عن الصحة الرقمية ومخاطر الإفراط في استخدام التكنولوجيا.

نقطة التحول الحقيقية حدثت في يوليو 2025، عندما أعادت نشر فيديو لمنتجها. هذه المرة، انفجر الفيديو ليحصد أكثر من 8 ملايين مشاهدة. النتيجة كانت صاعقة؛ إذ حققت الشركة مبيعات بلغت 120 ألف دولار في أول ثلاثة أيام فقط من الإطلاق الرسمي. الناس لم يكونوا يشترون مجرد هاتف، بل كانوا يشترون طريقة لاستعادة هدوء منازلهم.

كيف تدمج هذه الهواتف بين الماضي والمستقبل

تعمل هذه الهواتف بذكاء شديد؛ فهي تعتمد على بطاريات قابلة للشحن وترتبط بالهاتف المحمول تماماً مثل السماعات اللاسلكية. عندما تأتيك مكالمة على آيفون أو أندرويد، يرن الهاتف الأرضي القديم بصوته المميز. يمكنك رفع السماعة والحديث، بل ويمكنك أيضاً تفعيل المساعد الصوتي مثل سيري بضغطة زر واحدة لإجراء مكالمات دون لمس هاتفك الذكي.

الجميل في الأمر أن هذه الأجهزة تدعم تطبيقات العصر الحديث مثل واتساب وفايس تايم، وتتوفر بثلاثة تصاميم كلاسيكية تناسب جميع الأذواق، بأسعار تتراوح بين 90 و110 دولارات. إنها قطعة ديكور تقنية تعيد لنا إحساس التواصل الحقيقي دون الحاجة للنظر إلى شاشة زجاجية باردة.

تحديات التصنيع وعقبات الشحن الدولي

رغم هذا النجاح، واجهت رائدة الأعمال الشابة تحديات لوجستية قاسية. يتم تصنيع هذه الهواتف في آسيا، وهو ما تطلب مراقبة دقيقة للجودة وتفاصيل التصميم. ولم يتوقف الأمر عند هذا حد، بل تأثرت الأرباح بالسياسات الجمركية الجديدة والرسوم التي فرضتها الإدارة الأمريكية، مما التهم جزءاً غير بسيط من هامش الربح.

ومع اقتراب مواسم الأعياد، اختارت جويتز التضحية بمبالغ إضافية لضمان وصول الطلبات للعملاء في الوقت المحدد. قررت شحن المنتجات جواً بدلاً من البحر لتوفير الوقت، وهي خطوة كلفتها نحو 74 ألف دولار شملت مصاريف الشحن والتخليص الجمركي وتجهيز المستودعات في كاليفورنيا، لضمان ألا تضيع فرحة المشترين بالانتظار الطويل.

رؤية جديدة لمستقبل التواصل البشري

ما حققته كات جويتز ليس مجرد قصة نجاح تجاري عابرة، بل هو مؤشر على تغيير كبير في عقلية المستهلكين. يبدو أن الناس بدأوا يدركون أن التكنولوجيا يجب أن تخدمنا لا أن تستعبدنا. هذا المشروع يثبت أن الابتكار لا يعني دائماً اختراع شيء معقد، بل قد يكون ببساطة في إعادة تقديم فكرة قديمة بروح تناسب العصر.

في نهاية المطاف، تظهر هذه التجربة أن النجاح يحتاج إلى ثلاثة عناصر: فكرة تلمس احتياجاً حقيقياً، توقيت مثالي، وقدرة على الصمود أمام تحديات التصنيع والتسويق. لقد نجحت هواتف كات في منح الناس مبرراً لترك هواتفهم الذكية بعيداً لبعض الوقت، والتمتع بمكالمة هاتفية طويلة تماماً كما كنا نفعل في الماضي.

محرر أخبار بشغف كبير لتغطية الأحداث السياسية والاقتصادية بشكل واضح ودقيق، هدفي دايمًا أقدم لك تقارير وتحليلات موثوقة تساعدك تفهم الأخبار بعمق وبأسلوب بسيط وموضوعي.