خطوة استثنائية بدأت الدولة المصرية في تنفيذها لتعزيز مكانة الأزهر الشريف كمنارة عالمية للعلم والفكر، حيث جاءت موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون إنشاء “مكتبة الأزهر الشريف” لتضع هذه المؤسسة العريقة في مسار جديد كلياً. المشروع لا يهدف فقط لتطوير جدران ومباني، بل يسعى لتحويل المكتبة إلى كيان اعتباري عام يتبع مباشرة رئيس الجمهورية، مما يمنحها ثقلاً قانونياً وإدارياً يناهز كبرى المؤسسات الثقافية العالمية.
تأسيس كيان عالمي بمقر رئيسي في القاهرة
قرر القانون الجديد أن تكون مدينة القاهرة هي المقر الرئيسي لمكتبة الأزهر، مع إتاحة الفرصة لتدشين فروع أخرى في مختلف المحافظات للوصول بالمعرفة إلى الجميع. هذا التحول يعني أن المكتبة لن تكون مجرد مخزن للكتب، بل مؤسسة قادرة على إبرام التعاقدات والحصول على الدراسات والمخطوطات النادرة التي تخص الحضارة العربية والإسلامية من كافة أنحاء العالم، لتصبح مرجعاً أولاً للباحثين والمفكرين.
وتتوسع مهام المكتبة لتشمل رصد وحفظ السير الذاتية لأعلام الفكر الإسلامي، وإجراء بحوث معمقة حول التاريخ والجغرافيا الثقافية للعالم الإسلامي، فضلاً عن فتح باب الحوار بين المذاهب الفكرية المختلفة. ومن اللافت أن القانون منح المكتبة صلاحية تقديم خدماتها للجمهور والجهات الخارجية وفقاً للقواعد التي يضعها مجلس إدارتها، مما يجعلها مركزاً حياً للتفاعل الثقافي.
هيكل إداري رفيع بقيادة رئيس الجمهورية
يبرز الاهتمام الكبير بهذا المشروع في شكل الهيكل الإداري المقترح، إذ سيكون للمكتبة “مجلس أمناء” يترأسه رئيس الجمهورية شخصياً، ويضم في عضويته شيخ الأزهر نائباً، بجانب قامات عالمية ورموز فكرية من داخل مصر وخارجها، يتراوح عددهم بين 15 و30 عضواً. سيتولى هذا المجلس وضع الخطط الاستراتيجية والسياسات العامة التي تضمن بقاء المكتبة على خريطة التأثير العالمي.
أما الإدارة التنفيذية اليومية، فستكون من نصيب “مجلس إدارة” يترأسه شيخ الأزهر، ويضم نخبة من العلماء والمفكرين، بشرط أن يكون من بينهم عشرة أعضاء على الأقل من كبار علماء الأزهر الشريف. هذا التوازن في الإدارة يضمن الحفاظ على الهوية الأزهرية الأصيلة مع الانفتاح على الخبرات الإدارية والعلمية الحديثة، حيث سيكون للمكتبة أيضاً مدير تنفيذي متفرغ يدير شؤونها الفنية.
مراكز متخصصة ومقومات علمية متكاملة
مشروع القانون لم يغفل الجانب التقني والعلمي، فقد نص على ضم مجموعة من المراكز التخصصية تحت لواء المكتبة، منها مركز لتوثيق التراث، وآخر لتحقيق وترميم المخطوطات العربية والإسلامية، بالإضافة إلى متحف خاص ومركز لدراسات الخطوط العربية. ولتأكيد الحضور الدولي، ستصدر المكتبة مجلة علمية محكمة بلغات متعددة لنشر الأبحاث الرصينة التي تخدم الفكر الوسطي وتواجه التحديات المعرفية المعاصرة.
هذا التحرك التشريعي يأتي متوافقاً مع أحكام حماية الآثار والمخطوطات، حيث سيعمل الكيان الجديد بالتكامل مع القوانين الحالية لضمان صيانة الكنوز التي يمتلكها الأزهر، والتي تعد إرثاً للبشرية جمعاء وليس لمصر فقط.
تاريخ عريق يمتد لأكثر من ألف عام
تعتبر مكتبة الأزهر هي الثانية من حيث الأهمية والحجم في مصر بعد دار الكتب والوثائق القومية، لكن جذورها تضرب في أعماق التاريخ لأكثر من ألف سنة. المؤرخون يشيرون إلى وجود نواة لهذه المكتبة داخل أروقة الجامع الأزهر منذ عام 517 هجرياً، وكانت تُعرف قديماً بـ “الكتبخانة الأزهرية”.
ظلت المكتبة تتنقل بين أروقة الجامع الشهيرة مثل المدرسة الأقبغاوية والطيبراسية حتى بدايات القرن العشرين، حينما صدر قرار رسمي بتنظيمها في عهد الإمام محمد عبده عام 1897. والمبنى الحالي القائم في منطقة الدراسة، والمكون من 14 طابقاً، يعد تطوراً مهماً حدث في التسعينيات، لكن مشروع القانون الجديد يفتح الباب أمام بناء صرح جديد كلياً يعتمد على أحدث تكنولوجيات العصر في إدارة المكتبات العالمية.
يسعى هذا التوجه الجديد إلى تحويل تراث الأزهر من مخطوطات نادرة ورسائل علمية قيمة إلى مادة متاحة رقمياً ومعرفياً، بما يخدم رسالة الأزهر الشريف في نشر العلم والثقافة والتصدي للأفكار المتطرفة من خلال المعرفة والبحث العلمي الرصين.

تعليقات