8 مليارات دولار.. كيف تتحايل الشركات الروسية على العقوبات الغربية عبر بريطانيا؟

8 مليارات دولار.. كيف تتحايل الشركات الروسية على العقوبات الغربية عبر بريطانيا؟

تبدو بريطانيا اليوم في مواجهة حرج كبير بعد الكشف عن ثغرات مالية هائلة في أقاليمها التابعة، حيث أظهرت تقارير حديثة أن مليارات الدولارات الروسية لا تزال تجد طريقها عبر قنوات “ما وراء البحار” البريطانية. هذا الاختراق المالي لا يقتصر فقط على تحريك الأموال، بل يمتد ليشمل صفقات ضخمة تتضمن يخوتاً فاخرة، وطائرات خاصة، ومعدات حفر ثقيلة تستخدم في قطاع الطاقة الروسي، وذلك رغم العقوبات الصارمة التي فرضتها لندن وحلفاؤها منذ بداية الحرب في أوكرانيا.

مليارات غامضة تمر عبر جزر العذراء وكايمان

سلط تقرير صادر عن منظمة الشفافية الدولية الروسية الضوء على نمط معقد من التحايل، حيث استخدمت شركات روسية أقاليم بريطانية مثل جزر العذراء وبرمودا وكايمان لإتمام صفقات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 8 مليارات دولار. المفاجأة كانت في توقيت هذه المعاملات؛ فبينما كان العالم يشدد الخناق على موسكو في عام 2022، كانت هذه الأقاليم تشهد ذروة النشاط التجاري الروسي، وتؤكد البيانات أن بعض هذه الصفقات استمر فعلياً حتى بداية عام 2025.

استحوذت جزر العذراء البريطانية وحدها على نصيب الأسد من هذه التحركات المالية بنحو 4.4 مليار دولار. ويرى الخبراء أن تركيز الروس على هذه الجزيرة تحديداً ليس صدفة، بل يعود إلى أنها توفر مظلة من السرية المطلقة التي تتيح إخفاء هوية الملاك الحقيقيين والعائدات التجارية، مما يجعلها بيئة مثالية للهروب من أعين الرقابة الدولية والالتفاف على قائمة العقوبات الطويلة.

يخوت كبار المسؤولين وطائرات النخبة الروسية

التفاصيل التي كشف عنها التقرير ونشرتها صحيفة الجارديان تظهر أن هذه الأموال لم تكن مجرد أرقام في حسابات بنكية، بل تُرجمت إلى أصول ملموسة تثير الجدل. من أبرز هذه الأصول اليخت الفاخر “Universe” الذي يبلغ طوله 74 متراً وتصل قيمته إلى 100 مليون دولار، وهو المركب المرتبط بالرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف. كما ظهر في السجلات يخت آخر يُدعى “Marlin”، يُعتقد أن رجل الأعمال سليمان كريموف اشتراه عبر شركة مسجلة في جزر كايمان، رغم وجود اسمه ضمن قوائم المحظورين من التعامل المالي.

ولم يتوقف الأمر عند الرفاهية البحرية، بل شملت الصفقات طائرة “إيرباص” بقيمة 55 مليون دولار بيعت عبر شركة في برمودا، وتشير الشكوك إلى أنها وصلت في النهاية إلى عائلة الزعيم الشيشاني رمضان قديروف. هذه العمليات تعكس كيف تنجح النخبة الروسية في استخدام الشركات الصورية لتأمين احتياجاتها من السلع الفاخرة والمعدات التكنولوجية التي يحظر الغرب تصديرها إلى موسكو.

صراع بين الشفافية والتهرب الضريبي في لندن

وضعت هذه التسريبات الحكومة البريطانية في موقف دفاعي، حيث طالبت لندن مراراً أقاليم ما وراء البحار بإنشاء سجلات علنية للملكية تُمكّن الجميع من معرفة من يدير الشركات وما هي مصادر أمواله. ومع ذلك، يرى مراقبون أن التنفيذ لا يزال بطيئاً ومثقوباً بالثغرات القانونية. أقاليم مثل جزر العذراء لا تزال تسمح بفرض قيود تمنع الوصول بحرية إلى بيانات المالكين، وهو ما وصفته منظمة الشفافية الدولية بأنه خلل هيكلي متعمد يسمح بتوجيه التدفقات المالية غير المشروعة.

في المقابل، تدافع حكومات هذه الأقاليم عن نفسها مؤكدة التزامها بالقانون وتجميد مئات الملايين من الدولارات التابعة لشخصيات روسية. لكن الواقع الميداني يشير إلى معركة “قط وفأر” بين المشرعين في لندن وبين شبكات مالية عابرة للحدود تمتاز بمرونة عالية وقدرة فائقة على إعادة تموضع أموالها في كل مرة يتم فيها إغلاق ثغرة قانونية جديدة.

تظل قضية الثمانية مليارات دولار دليلاً حياً على أن العقوبات الاقتصادية، مهما بلغت قوتها، تظل رهينة بمدى قدرة الدول على السيطرة على ملاذاتها الضريبية. إن استخدام روسيا للأقاليم البريطانية لإدارة تجارتها الخارجية لا يحرج بريطانيا سياسياً فحسب، بل يثير تساؤلات جادة حول فعالية المنظومة المالية العالمية في تتبع الأموال عندما تقرر الاختباء خلف مسميات شركات غامضة في جزر بعيدة.

محرر أخبار بشغف كبير لتغطية الأحداث السياسية والاقتصادية بشكل واضح ودقيق، هدفي دايمًا أقدم لك تقارير وتحليلات موثوقة تساعدك تفهم الأخبار بعمق وبأسلوب بسيط وموضوعي.