أثارت المشاهد الأخيرة من مسلسل “كلهم بيحبوا مودي” موجة واسعة من الجدل والتفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما جسدت الفنانة الشابة أيسل رمزي ببراعة دور ابنة الفنان ياسر جلال. لم يكن المشهد مجرد تمثيل عابر، بل كان صرخة عاطفية تعبر عن فجوة المسافات التي قد تنشأ بين الآباء وبناتهم حتى وإن كانوا يعيشون تحت سقف واحد. عبرت أيسل في المسلسل عن شعورها بالوحدة والاغتراب العاطفي وافتقادها لوجود والدها الحقيقي في تفاصيل حياتها، وهو ما يفتح الباب لمناقشة قضية حيوية تتعلق بكيفية بناء علاقة سوية ومتينة بين الأب وابنته في وقتنا المعاصر.
فن الاستماع وبناء الثقة العميقة
الخطوة الأولى والأهم في التقرب من الابنة تبدأ من القدرة على الإنصات الحقيقي وليس مجرد السماع. المراهقات على وجه الخصوص يمررن بتغيرات نفسية ومواقف معقدة تجعلهن في أمس الحاجة لمساحة آمنة للتعبير. بدل الانتقال فوراً إلى وضع “القاضي” أو “المعلم” وتقديم حلول جاهزة ومعلبة، يفضل أن يشارك الأب ابنته في التفكير بصوت عالٍ. هذا الأسلوب يجعل الفتاة تشعر بأن رأيها مقدر وأنها قادرة على حل مشكلاتها بنفسها بدعم من والدها، مما يقوي ثقتها في اللجوء إليه مستقبلاً عند وقوع أي أزمة حقيقية دون خوف من اللوم أو الانتقاد اللاذع.
قوة الكلمة الطيبة وأثر المديح
تحتاج الفتاة في مراحل نموها المختلفة، وخصوصاً في سن المراهقة، إلى جرعات مكثفة من الثناء والتقدير داخل المنزل. الشعور بأنها تحتل مكانة خاصة في حياة والدها يمنحها حصانة نفسية كبيرة ضد أي محاولات خارجية لاستمالتها بكلمات الإعجاب المزيفة. المديح لا يجب أن يقتصر على الشكل فقط، بل من الضروري الثناء على أسلوب تفكيرها، نجاحاتها الصغيرة، وطريقتها في التعامل مع الأمور. عندما يأتي التوجيه مغلفاً بالهدوء والتقدير بدلاً من الانفعال، يصبح تقبله أسهل بكثير، وتترسخ صورة الأب كالسند والداعم الأول.
التواصل المستمر والاندماج في التفاصيل الصغيرة
التحدي الأكبر يظهر في حالات الانفصال أو انشغال الأب الدائم بالعمل، وهنا تبرز أهمية الابتكار في طرق التواصل. لا يكفي الاطمئنان السريع خلال مشوار المدرسة أو عبر مكالمة هاتفية مقتضبة، بل يتطلب الأمر انخراطاً حقيقياً في الأنشطة التي تحبها الابنة. تخصيص وقت لمشاركتها اهتماماتها، سواء كانت هواية فنية أو متابعة محتوى معين، يخلق لغة مشتركة وكسر لحواجز الجمود. العلاقة المتينة لا تُبنى بالمناسبات الكبرى فقط، بل تُصنع من التفاصيل اليومية البسيطة التي تشعر فيها الابنة أن والدها مهتم حقاً بما يشغل بالها وما يفرح قلبها.
إن الرسالة التي قدمها مسلسل “كلهم بيحبوا مودي” تعكس واقعاً تعيشه عائلات كثيرة، حيث يطغى القرب المكاني ويغيب القرب الوجداني. إن محاولة الآباء لفهم احتياجات بناتهم النفسية ليست رفاهية، بل هي الأساس لنمو جيل من الفتيات القادرات على مواجهة الحياة بتوازن نفسي كبير، مستندات على علاقة قوية وصادقة مع أول رجل في حياتهن. هذه العلاقة هي التي تحدد لاحقاً نظرة الفتاة لنفسها وللعالم من حولها.

تعليقات