القاهرة الرقم الصعب في معادلة الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.. كيف نجحت الدبلوماسية المصرية في صياغة خارطة طريق للهدنة وإعادة الإعمار؟
منذ اللحظات الأولى لاندلاع الحرب في قطاع غزة، برزت الدولة المصرية كفاعل رئيسي وحائط صد منيع أمام محاولات تصفية القضية الفلسطينية. ولم تكن القاهرة مجرد وسيط عادي، بل تحولت إلى مركز العمليات الدبلوماسي والإنساني الأول في المنطقة، حيث قاد الرئيس عبد الفتاح السيسي تحركات مكوكية لحشد الرأي العام العالمي خلف هدف واحد وهو الوقف الفوري لإطلاق النار وحماية حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية.
تحركات مصرية شاملة من قمة القاهرة إلى اتفاق شرم الشيخ
لقد انخرطت الدولة المصرية في تحركات متوازية على كافة الأصعدة السياسية والإنسانية منذ بداية الأزمة. ولم يتوقف الأمر عند حدود البيانات الدبلوماسية، بل امتد ليشمل قيادة جهود الوساطة الشاقة التي أثمرت مؤخراً عن الوصول إلى تفاهمات حاسمة. ويعد “اتفاق شرم الشيخ” تتويجاً لهذه المسيرة الطويلة، حيث نجحت مصر بالتعاون مع الشركاء الدوليين في وضع آليات تنفيذية للمرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، وهو ما أثنى عليه قادة العالم وعلى رأسهم الرئيس الأمريكي، تقديراً للدور المصري المحوري في نزع فتيل الأزمة.
ولا تنفصل هذه الجهود عن الرؤية المصرية الشاملة التي تم طرحها في “قمة القاهرة الدولية للسلام” وما تلاها من اجتماعات عربية ودولية. فقد نجحت مصر في انتزاع موقف دولي موحد يرفض التهجير القسري للفلسطينيين ويدعو إلى البدء الفوري في خطط التعافي والانسحاب من القطاع، مع التأكيد المستمر على أن استقرار الشرق الأوسط مرهون فقط بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ثوابت وطنية لا تقبل المساومة ضد سياسة التهجير والتجويع
اعتمدت القاهرة في استراتيجيتها للتعامل مع ملف غزة على مجموعة من “اللاءات” الحاسمة التي أصبحت مرجعاً للموقف العربي والدولي. فقد رفعت مصر شعاراً واضحاً: لا لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، لا لسياسة العقاب الجماعي، ولا لاستخدام التجويع كسلاح في الحرب. هذه الثوابت لم تكن مجرد شعارات، بل كانت ركيزة أساسية في كافة المفاوضات والاجتماعات الدولية التي شاركت فيها مصر، مما حال دون تنفيذ مخططات تهدف إلى إنهاء القضية الفلسطينية على حساب دول الجوار.
وعلى الصعيد الميداني، كانت مصر الذراع القوي الذي يمد الفلسطينيين بشريان الحياة. فقد سجلت الأرقام الرسمية أن مصر قدمت وحدها نحو 75% من إجمالي المساعدات الإنسانية التي دخلت القطاع منذ بدء العدوان. هذا الدعم لم يتوقف عند الغذاء والدواء، بل شمل إنشاء مستشفيات ميدانية قريبة من الحدود واستقبال آلاف الجرحى والمصابين، في تجسيد حي لعقيدة تضع أمن فلسطين كجزء أصيل من الأمن القومي المصري.
قوافل المساعدات وإعادة الإعمار.. الالتزام المصري المستمر
الواقع الإنساني يثبت يوماً بعد يوم أن مصر هي الداعم الأول لغزة، فمع بداية العام الجديد 2026، انطلقت القافلة رقم 13 المكونة من 150 شاحنة محملة بأكثر من 3 آلاف طن من الاحتياجات الشتوية، بتنسيق من التحالف الوطني للعمل الأهلي. كما يواصل الهلال الأحمر المصري دوره الحيوي من خلال قافلة “زاد العزة” التي تضخ مئات الآلاف من السلال الغذائية والمستلزمات الطبية والشتوية للأسر المتضررة في القطاع.
وبينما يستمر العمل الإغاثي، تضع القاهرة نصب أعينها “اليوم التالي” للحرب، حيث تصدرت المشهد في أول اجتماع لمجلس السلام المخصص لإعادة إعمار قطاع غزة. وتتبنى مصر حالياً خطة شاملة تهدف إلى بناء ما دمره العدوان، مع التركيز على البنية التحتية والمستشفيات والمدارس، لضمان استعادة الحياة الطبيعية في القطاع بأسرع وقت ممكن. هذه الرؤية تؤكد أن الدور المصري لن ينتهي بوقف إطلاق النار، بل سيمتد لسنوات قادمة لضمان استدامة السلام وبناء مستقبل يليق بتضحيات الشعب الفلسطيني.

تعليقات