تحوّل العادات الغذائية المفاجئة في شهر رمضان إلى تحدٍّ كبير يواجه الصائمين، حيث يجد الكثيرون أنفسهم أمام متاعب هضمية لم تكن في الحسبان. ورغم أن الصيام يمثل فرصة ذهبية لتطهير الجسم، إلا أن السلوكيات الخاطئة على مائدة الإفطار والسحور قد تحول هذه المنحة إلى معاناة يومية مع آلام المعدة والانتفاخ.
أصدر المركز القومي للبحوث مؤخراً نشرة طبية متخصصة، أعدتها الدكتورة نبيلة الليثي، الأستاذ المتفرغ بمعهد البحوث الطبية، لتسليط الضوء على هذه الأزمات وتوضيح كيفية التعامل معها. تؤكد الدكتورة نبيلة أن تغيير مواعيد الوجبات، والإسراف في تناول أصناف معينة من الطعام، هما المحرك الأساسي للشعور بعدم الارتياح، لكن الخبر الجيد أن معظم هذه المشاكل يمكن السيطرة عليها بتعديلات بسيطة.
أشهر اضطرابات الجهاز الهضمي في شهر الصيام
يعاني قطاع كبير من الصائمين من عسر الهضم، وهو شعور بالثقل يداهم المرء فور الانتهاء من تناول الطعام. يتزامن ذلك أحياناً مع الحموضة وحرقة المعدة التي تشتد عند الإفراط في تناول المقليات أو الأطعمة المليئة بالتوابل الحارة، بالإضافة إلى التأثير السلبي للمشروبات الغازية والقهوة التي تزيد من إفراز الأحماض المعوية.
أما الإمساك، فيتصدر قائمة الشكاوى الشائعة نتيجة تراجع كميات المياه التي يتناولها الشخص، والاعتماد على نشويات تخلو من الألياف، فضلاً عن قلة المجهود البدني بعد الإفطار. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تبرز مشكلة الانتفاخ والغازات نتيجة سرعة وتيرة الأكل أو التوسع في تناول الحلويات الرمضانية التي تخضع لعمليات تخمر داخل الأمعاء.
خطة التعافي وتنظيم الوجبات بين الإفطار والسحور
تبدأ رحلة العلاج من لحظة انطلاق أذان المغرب، حيث تُنصح الدكتورة نبيلة بكسر الصيام على التمر والماء، ثم أخذ استراحة قصيرة لأداء الصلاة قبل العودة للوجبة الرئيسية. هذا التمهيد يجهز المعدة لاستقبال الطعام ويمنع الصدمة المعوية التي تسبب عسر الهضم. القاعدة الذهبية هنا هي تقسيم الطعام إلى وجبات صغيرة ومتفرقة بدلًا من تكديسها في جلسة واحدة.
يجب أن تميل الكفة دائماً نحو الأطعمة المسلوقة أو المشوية، مع ممارسة سياسة الاستغناء عن المقليات والدهون قدر الإمكان. الخضروات الورقية والفواكه الطازجة هي الصديق الصدوق للجهاز الهضمي في هذه الفترة، لأنها توفر الألياف اللازمة لمنع الإمساك، كما أن مضغ الطعام ببطء وتؤدة يقلل من بلع الهواء وبالتالي يحمي من الغازات المزعجة.
نصائح ذهبية لتحسين عملية الهضم وتجنب القرحة
يعتقد البعض أن شرب كميات هائلة من الماء أثناء الأكل يعوض العطش، لكن الحقيقة أن هذا السلوك يعيق العصارات الهاضمة عن أداء عملها. الطريقة الصحيحة هي شرب الماء على فترات متباعدة بين الإفطار والسحور. وبالحديث عن السحور، شددت النشرة الطبية على عدم إهمال هذه الوجبة إطلاقاً، لأنها توازن أحماض المعدة خلال ساعات النهار، بشرط أن تكون خفيفة وسهلة الامتصاص.
الحركة هي مفتاح آخر للراحة؛ فالمشي الخفيف بعد الإفطار بساعتين ينشط الأمعاء ويساعدها على دفع الطعام بشكل طبيعي. وفي حالات مرضى القرحة أو القولون، تظل استشارة الطبيب ضرورة ملحة إذا استمرت الأعراض أو اشتد الألم، لضمان صيام آمن لا يشوبه التعب.
تغيير نظامك الغذائي ليس مجرد وسيلة لعلاج الألم العابر، بل هو استثمار طويل الأمد في صحتك. إن اتباع هذه الإرشادات البسيطة يحول شهر رمضان من موسم للتلبك المعوي إلى محطة حقيقية للصحة وتجديد نشاط أعضاء الجسم الحيوية.

تعليقات