تحولت مائدة الشيخ الأزهري الثائر حسن الطويل إلى ملتقى غير تقليدي في تاريخ مصر الحديث، حيث لم تكن مجرد مائدة لإطعام الطعام في شهر رمضان، بل كانت “صالوناً سياسياً وفكرياً” يجمع بين ألد الأعداء وأوفى الأصدقاء. الشيخ الطويل، الذي عُرف بعبقريته في علوم المنطق والفلسفة والرياضيات، استطاع بذكائه وحكمته أن يجعل من منزله ومقعده في الأزهر نقطة تلاقي تجمع بين قادة الثورة العرابية المطاردين وبين خصومهم في السياسة، في مشهد يجسد روح التسامح وسعة الأفق التي تميز بها كبار علماء الأزهر في ذلك الوقت.
عاش الشيخ حسن الطويل فترة عصيبة من تاريخ مصر، وتحديداً عقب فشل الثورة العرابية ونفي زعمائها. ورغم الرقابة الأمنية المشددة والمطاردات التي طالت كل من ساند أحمد عرابي، ظلت مائدة الشيخ الطويل مفتوحة للعرابيين. يحكي المؤرخ أحمد باشا تيمور في توثيقه لتلك الحقبة، أن مائدة الشيخ كانت الملاذ الوحيد لمن تبقى من رفاق عرابي في مصر، أمثال سعد زغلول الذي كان حينها نائباً لرئيس تحرير “الوقائع المصرية”، والشيخ محمد عبده قبل نفيه، بالإضافة إلى أسماء لامعة مثل إبراهيم بك اللقاني وعبد الله النديم.
كان اللقاء في بيت الشيخ، الذي يقع حالياً في المنطقة المعروفة باسم “الخلفاوي” بشبرا، يتم في سرية تامة. وكان الحاضرون ينتظرون بفارغ الصبر تلك اللحظات التي تصل فيها رسائل مهربة من المنفى في جزيرة سيلان، حيث يطمئنون على الزعيم أحمد عرابي والشاعر محمود سامي البارودي. لم تقتصر مائدة الشيخ على الطعام فقط، بل كانت تشهد ترتيب إرسال احتياجات المنفيين، وحتى أثاث منزل الإمام محمد عبده في بيروت كان يجرى التنسيق لشحنه من فوق رصيف ميناء الإسكندرية أثناء جلسات إفطار رمضانية جمعت رفاق الدرب.
ما يثير الدهشة في سيرة الشيخ حسن الطويل هو قدرته العجيبة على احتواء الجميع. ففي الوقت الذي كان فيه بيته مأوى للثوار، كانت حلقته العلمية ومائدته المخصصة له كأستاذ “كرسي” في رحاب الجامع الأزهر تضم خصوم العرابيين وتلاميذه الذين صاروا لاحقاً من كبار رجال الدولة والقضاء. كان الشيخ يجلس على مائدته وبجواره تلميذه النابغ عبد الرحمن قراعة، الذي أصبح مفتياً للديار المصرية وكتب كلمات تغنت بها أم كلثوم، وبجواره الشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ أحمد الزرقاني.
هذا المزيج الفريد لم يكن ليتحقق لولا المكانة العلمية المرموقة التي تمتع بها الطويل، فقد كان يحظى باحترام الخديوي والعلماء والمتمردين على حد سواء. حتى بعد عودة العرابيين من منفهم، ظلت مائدته هي المكان الذي يتصالح فيه الماضي مع الحاضر، حيث كان يحضرها كبار المشايخ الذين خالفوه الرأي في السياسة لكنهم قدروه في العلم، وعلى رأسهم شيخ الجامع الأزهر الإمام محمد الإنبابي، والشيخ حسن العدوي الحمزاوي.
لم تكن كل الرمضانات التي مرت على الشيخ الطويل ورفاقه مبهجة، بل سجلت الذاكرة بقوة ذلك الرمضان القاسي الذي أعقب إصابة “رب السيف والقلم” محمود سامي البارودي بالعمى. كانت تلك الحادثة غصة في حلق كل من جلس على مائدة الشيخ، إذ فقدت الثورة بصرها وشاعرها الملهم. ومع ذلك، استمر الشيخ الطويل في لعب دور حلقة الوصل، يحافظ على الود مع الجميع وينشر وسط تلاميذه قيم العقل والمنطق التي كان يدرسها، بعيداً عن الجمود والتعصب.
بقيت قصة مائدة الشيخ حسن الطويل درساً في كيف يمكن للدين والعلم أن يكونا جسراً للتواصل لا سبباً للفرقة. فقد استطاع هذا العالم الأزهري أن يحول فريضة الصيام وجلسة الإفطار إلى عمل وطني بامتياز، حافظ من خلاله على خيوط الأمل في نفوس المصريين خلال سنوات النفي والاحتلال، وصنع جيلاً من القادة الذين قادوا نهضة مصر في مطلع القرن العشرين، متسلحين بما تعلموه على مائدته من فكر حر وشجاعة في الرأي.
تحقق دولة الإمارات قريباً قفزة نوعية في خيارات النقل والمواصلات مع اقتراب تشغيل رحلات "قطارات…
عالم الألعاب الإلكترونية لا يتوقف عن التطور، لكن تظل "فري فاير" تحتل مكانة خاصة في…
بين أزقة روما العريقة وجذور صعيد مصر الضاربة في الأصالة، تشكلت قصة فنانة لم تكن…
تحري ليلة القدر هو الشغل الشاغل لملايين المسلمين مع دخول الثلث الثاني من شهر رمضان…
أُعلن في الساعات الماضية عن نقل ملك النرويج هارالد الخامس إلى أحد المستشفيات في جزيرة…
تواصل وزارة التموين والتجارة الداخلية جهودها المكثفة لتأمين احتياجات الأسر المصرية خلال أيام شهر رمضان…