أثار الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء، حالة من الجدل والنقاش الواسع بعد تصريحاته الأخيرة حول حدود الخصوصية داخل الأسرة. القضية تتعلق بسلوك يمارسه الكثير من الآباء والأمهات بدافع الخوف والقلق، وهو تفتيش هواتف الأبناء ومراقبة تحركاتهم الرقمية، لكن الحكم الشرعي الذي طرحه جمعة جاء ليضع خطاً فاصلاً بين التربية وانتهاك الحرمات الشخصية.
موقف الشرع من تفتيش هواتف الأبناء والشباب
أكد الدكتور علي جمعة أن التجسس بجميع أشكاله محرم شرعاً بنصوص صريحة من القرآن الكريم والسنة النبوية. وأشار خلال حديثه في برنامج “نور الدين” الموجه للشباب، إلى أن الله عز وجل قال في كتابه العزيز “ولا تجسسوا”، وهذا النهي عام لا يستثني أحداً. الخصوصية في الإسلام ليست مجرد حق مدني، بل هي حرمة شرعية يجب احترامها، وتجاوزها يضع الشخص في دائرة الإثم، حتى لو كان الهدف هو الاطمئنان أو الرقابة الأبوية التقليدية.
واعتبر جمعة أن اقتحام مساحة الاستقلال التي كفلها الشرع للإنسان يعد مخالفة صريحة للمبادئ الإسلامية التي تحترم الفرد وكيانه الشخصي. وشدد على أن بناء العلاقة بين الأبناء والآباء يجب أن يقوم على الثقة والمصارحة لا على الملاحقة والبحث في الخفايا، لأن التجسس يولد في الغالب فجوة نفسية كبيرة ويدفع الأبناء نحو سلوكيات أكثر انغلاقاً.
متى تنتهي سلطة الوالدين في مراقبة الهاتف
أجاب مفتي الجمهورية الأسبق على تساؤل يشغل بال الكثير من الأسر حول المدى الزمني الذي تبدأ فيه خصوصية الابن كحق أصيل. أوضح جمعة أن بلوغ سن الثامنة عشرة يمثل مرحلة الاستقلال التام للفرد، حيث يصبح الإنسان في هذه السن مسؤولاً عن تصرفاته وقراراته أمام الله وأمام المجتمع. في هذه المرحلة، يمنع منعاً باتاً على الأب أو الأم النظر في هاتف الابن أو الابنة دون الحصول على إذن مسبق وصريح.
هذا الموقف الشرعي لا يتوقف عند حدود الأبناء فقط، بل يمتد ليشمل العلاقة بين الزوجين، وعلاقة الأبناء بآبائهم عند الكبر. فالقاعدة الفقهية التي استند إليها جمعة تقوم على الحفاظ على كرامة الإنسان وعدم تتبع عوراته. وبمجرد تجاوز سن الرشد، تسقط الولاية الرقابية المباشرة التي تبيح التدخل في الخصوصيات، وتتحول العلاقة إلى النصح والإرشاد والمتابعة القائمة على المودة تحت مظلة الاحترام المتبادل للحقوق الشخصية.
المسؤولية الفردية وحرمة الحياة الخاصة
يرى علماء الدين أن فلسفة هذا المنع تكمن في تحمل الفرد لمسؤوليته الشخصية. فالإنسان بمجرد أن يبلغ الرشد يحاسبه الله على عمله بمفرده، وبالتالي فإن محاولات البشر للقيام بدور الرقيب المطلق تتصادم مع فكرة التكليف الإلهي. الخصوصية تمنح الشاب فرصة لبناء شخصية مستقلة قادرة على التمييز بين الصواب والخطأ دون خوف من رقابة بشرية دائمة، مما يعزز لديه مراقبة الله في السر والعلن.
التطور التكنولوجي وظهور الهواتف الذكية جعل من هذه الأجهزة مستودعاً لأسرار الناس وتفاعلاتهم اليومية، وهو ما جعل الفقهاء المعاصرين يشددون على أن الهاتف الشخصي له حرمة تفوق حرمة الرسائل الورقية القديمة. التعدي على هذه الخصوصية يفتح باباً من الفتنة والمشاكل الأسرية التي قد تؤدي إلى قطيعة، وهو ما يسعى الشرع لتجنبه من خلال وضع حدود واضحة لكل فرد في المجتمع الصغير.
تأتي هذه الفتوى لتعيد ترتيب العلاقات داخل الأسرة المسلمة في العصر الرقمي، معتبرة أن الأخلاق الإسلامية لا تتجزأ، وأن احترام حقوق الآخرين يبدأ من أقرب الناس إلينا. فالثقة هي الأصل، بينما يتحول التجسس إلى أداة للهدم بدلاً من الإصلاح والتربية السليمة.

تعليقات