
تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «الجزائر تعيد رسم خريطة الطاقة في المتوسط وإفريقيا»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
من أنابيب الغاز العابرة للصحراء إلى ممر الهيدروجين والكهرباء الخضراء.. استراتيجية جزائرية لبناء جسر طاقوي بين إفريقيا وأوروبا
لم تعد السياسة الطاقوية الجزائرية تتحرك في اتجاه واحد. فبينما تواصل الجزائر الاستثمار في موقعها التقليدي كمورد رئيسي للغاز إلى أوروبا، بدأت في الوقت نفسه بناء منظومة جديدة تقوم على الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية والكهرباء العابرة للمتوسط، بالتوازي مع توسيع حضورها الطاقوي في العمق الإفريقي.
وتكشف خريطة المشاريع التي دفعتها الجزائر خلال السنوات الأخيرة عن تحول تدريجي من مفهوم تصدير الطاقة إلى مفهوم أوسع يقوم على ربط شبكات وممرات الطاقة بين إفريقيا وأوروبا، بما يمنح البلاد موقعاً محورياً في المعادلة الطاقوية للمنطقة.
وتقول وزارة الطاقة والطاقات المتجددة إن الاستراتيجية الجزائرية تستهدف صراحة تعزيز مكانة البلاد كفاعل طاقوي إقليمي ودولي، خصوصاً في الأسواق الإفريقية والأوروبية، مع تطوير الطاقات المتجددة وتوجيه جزء منها نحو التصدير، وتعزيز الاندماج الإقليمي في صناعات الكهرباء والغاز.
الغاز.. البنية التي تنطلق منها الاستراتيجية
يمثل الغاز الطبيعي نقطة الانطلاق لهذه السياسة. فالجزائر تمتلك بالفعل شبكة قائمة من البنى التحتية التي تربطها مباشرة بالسوق الأوروبية، وفي مقدمتها خط ترانسميد/إنريكو ماتي نحو إيطاليا وخط ميدغاز نحو إسبانيا، إضافة إلى منشآت تسييل الغاز في أرزيو وسكيكدة.
وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن الجزائر تمتلك ثلاثة مسارات رئيسية لتصدير الغاز عبر الأنابيب، فيما تبلغ طاقات منشآت تسييل الغاز في أرزيو وسكيكدة مجتمعة أكثر من 1.2 تريليون قدم مكعب سنوياً من القدرة الاسمية.
لكن الجزائر لا تتعامل مع هذه البنية باعتبارها إرثاً من مرحلة الغاز التقليدي فقط. فالمسألة الأكثر أهمية هي أن جزءاً من هذه الشبكات يمكن أن يتحول مستقبلاً إلى بنية لنقل جزيئات طاقة جديدة، وعلى رأسها الهيدروجين.
وهنا تظهر أهمية ممر الهيدروجين الجنوبيSoutH2.
ممر الهيدروجين الجنوبي.. الطريق الجديد إلى أوروبا
في الأول من أكتوبر 2026، وقعت الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا إعلاناً وزارياً جديداً في الجزائر بشأن الممر الجنوبي للهيدروجين، مؤكدة أن المشروع يمثل رافعة للتكامل الإقليمي والأورو-متوسطي في مجال الهيدروجين الأخضر. كما يتضمن الإعلان إنشاء أمانة مخصصة لدعم المشروع تقنياً.
والمشروع ليس مجرد فكرة سياسية. فالممر المخطط له يمتد لنحو 3300 كيلومتر من شمال إفريقيا عبر إيطاليا والنمسا وصولاً إلى ألمانيا، ويستهدف قدرة استيراد تتجاوز 4 ملايين طن من الهيدروجين المتجدد سنوياً. والأهم أن أكثر من 65 في المائة من البنية التحتية المقررة يمكن أن تعتمد على إعادة تأهيل خطوط قائمة، ما يخفض الحاجة إلى بناء شبكة جديدة بالكامل.
وتقول المفوضية الأوروبية إن المشروع يمثل أحد المحاور الرئيسية لتوسيع إنتاج الهيدروجين المتجدد في شمال إفريقيا وربطه بمراكز الطلب الصناعية الأوروبية. كما أدرجت مكونات الممر ضمن مشاريع المصلحة المشتركة الأوروبية، مع استمرار العمل على تقليل المخاطر الاستثمارية وتطوير السوق.
بالنسبة إلى الجزائر، يحمل المشروع معنى يتجاوز تصدير سلعة جديدة. فهو يفتح أمامها إمكانية الانتقال من موقع مُورّد للغاز إلى موقع منتج ومصدر للهيدروجين والطاقة المتجددة، مستفيدة من مساحتها الواسعة ومواردها الشمسية وقربها الجغرافي من أوروبا.
أنبوب الغاز العابر للصحراء.. إفريقيا في قلب المعادلة
وفي الاتجاه الجنوبي، تعمل الجزائر على مشروع مختلف في طبيعته لكنه متكامل مع رؤيتها الإقليمية: أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي يربط نيجيريا بأوروبا عبر النيجر والجزائر.
واللافت أن المشروع دخل في 2026 مرحلة أكثر عملية، بعدما أطلقت الجزائر رسمياً في الرابع من يونيو أشغال إنجاز الجزء الجزائري من الأنبوب في منطقة أولف بولاية أدرار. وسيمتد الجزء الجزائري من الحدود مع النيجر إلى مركز توزيع الغاز الوطني في حاسي الرمل.
ويحمل الأنبوب بعداً اقتصادياً وجيوسياسياً مزدوجاً. فهو يربط احتياطات الغاز النيجيرية بالسوق الأوروبية عبر الأراضي الجزائرية، وفي الوقت نفسه يرسخ موقع الجزائر كحلقة وصل بين غرب إفريقيا والمتوسط.
وهذا البعد الإفريقي مهم في الحسابات الجزائرية؛ فبدلاً من أن تكون أوروبا هي الوجهة الوحيدة للسياسة الطاقوية، يصبح الجنوب الإفريقي أيضاً جزءاً من شبكة المصالح الطاقوية الجزائرية.
من الغاز إلى الكهرباء
المسار الثالث الذي يتطور بهدوء هو الكهرباء.
ففي يوليو 2024، وقعت سونلغاز وسوناطراك وشركة إيني الإيطالية مذكرة تفاهم لدراسة إنشاء كابل كهربائي بحري يربط الجزائر بإيطاليا، مع بحث إمكانية إنتاج ونقل وتسويق كهرباء منخفضة أو منعدمة الكربون انطلاقاً من مصادر متجددة.
وفي فبراير 2026، أكدت الجزائر والاتحاد الأوروبي أن الربط الكهربائي بين الجزائر وأوروبا يمثل مجالاً استراتيجياً للتعاون، مع الاتفاق على مواصلة العمل بشأن المتطلبات التنظيمية والاستثمارات الضرورية لتحقيق هذه المشاريع.
وهكذا تضاف الكهرباء إلى قائمة المنتجات التي يمكن أن تعبر من الجزائر إلى أوروبا، إلى جانب الغاز والهيدروجين.
الطاقة الشمسية.. القاعدة الداخلية للمشروع الخارجي
لكن كل هذه الطموحات الخارجية تحتاج إلى قاعدة إنتاج داخلية ضخمة. ولهذا تضع الجزائر الطاقة الشمسية في قلب تحولها الطاقوي.
وتستهدف الاستراتيجية الرسمية تطوير 15 ألف ميغاواط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وقد دخل 3200 ميغاواط منها حيز التنفيذ عبر محطات موزعة في 12 ولاية من الجنوب والهضاب العليا، وفق وزارة الطاقة والطاقات المتجددة.
وهذا التحول يحمل أهمية مزدوجة: فمن جهة، يسمح بتلبية جزء أكبر من الطلب الداخلي على الكهرباء وتقليل الاعتماد على الغاز في إنتاجها؛ ومن جهة أخرى، يحرر كميات أكبر من الغاز للتصدير ويهيئ قاعدة كهربائية متجددة لإنتاج الهيدروجين الأخضر.
كما يجري تطوير مشاريع صناعية مرتبطة بهذا المسار، من بينها مشروع مدمج لإنتاج الهيدروجين الأخضر من الطاقات المتجددة لاستخدامه في إنتاج الصلب الأخضر في الجزائر، بمشاركة سوناطراك وسونلغاز وشركات صناعية وطاقوية أجنبية.
استراتيجية متعددة المسارات
الصورة التي تتشكل من هذه المشاريع أكثر تعقيداً من مجرد خطة لزيادة صادرات الغاز.
فالجزائر تبني في الوقت نفسه:
جنوباً:
غاز نيجيريا ← النيجر ← الجزائر ← أوروبا عبر أنبوب الغاز العابر للصحراء.
شمالاً:
الهيدروجين الأخضر ← الجزائر/تونس ← إيطاليا ← النمسا ← ألمانيا عبر ممر الهيدروجين الجنوبي.
عبر المتوسط:
كهرباء متجددة محتملة ← إيطاليا عبر الربط الكهربائي البحري.
داخل الجزائر:
توسّع كبير في الطاقة الشمسية ← كهرباء متجددة ← هيدروجين أخضر ← صناعات منخفضة الكربون.
أما الغاز التقليدي، فيستمر في أداء دوره عبر البنية القائمة من ترانسميد وميدغاز ومنشآت الغاز الطبيعي المسال.
وهذا يعني أن السياسة الجزائرية لا تقوم على استبدال الغاز بالهيدروجين في المدى القصير، بل على إضافة طبقة جديدة من الطاقة المتجددة والهيدروجين والكهرباء إلى منظومة الغاز القائمة.
إيطاليا.. العقدة الأوروبية الأبرز
وتحتل إيطاليا موقعاً خاصاً في هذه المعادلة. فهي بالفعل نقطة دخول رئيسية للغاز الجزائري إلى أوروبا عبر ترانسميد، وهي أيضاً الدولة التي يمكن أن تصبح بوابة الهيدروجين الجزائري إلى النمسا وألمانيا.
كما يجري بحث الربط الكهربائي بين البلدين.
وبذلك يمكن أن تتحول العلاقة الجزائرية-الإيطالية من علاقة قائمة أساساً على شراء الغاز إلى شراكة متعددة المنتجات الطاقوية: الغاز، الهيدروجين، الكهرباء، والطاقات المتجددة.
وفي يوليو 2026، عززت سوناطراك تعاونها مع ألمانيا أيضاً من خلال اتفاق جديد لتوسيع إمدادات الغاز إلى شركة VNG ابتداء من يناير 2027، بالتوازي مع شراكة الشركتين في تحالف الهيدروجين الجزائري-الأوروبي وممر SoutH2.
رهانات وفرص.. ولكن أيضاً اختبارات صعبة
غير أن حجم الطموح لا يعني أن جميع هذه المشاريع أصبحت حقائق تجارية مكتملة.
فالهيدروجين الأخضر لا يزال سوقاً ناشئة، وتحتاج المشاريع الكبرى إلى عقود شراء طويلة الأجل، وتمويل ضخم، وأطر تنظيمية مستقرة وأسعار قادرة على منافسة بدائل الطاقة الأخرى. وقد أشارت المفوضية الأوروبية نفسها إلى الحاجة إلى مزيد من العمل لتقليل مخاطر الاستثمار في ممر SoutH2، في ظل حداثة سوق الهيدروجين.
أما أنبوب الغاز العابر للصحراء، فعلى الرغم من إطلاق الأشغال في الجزء الجزائري، فإن نجاحه النهائي يتطلب استكمال المراحل المرتبطة بالجزء النيجيري والنيجري وبقية منظومة التمويل والتنفيذ.
وتبقى كذلك مسألة التوازن بين الطلب المحلي المتزايد على الطاقة وبين توجيه جزء من الإنتاج الجديد نحو الأسواق الخارجية.
من «بلد غازي» إلى «منصة طاقوية»
في المحصلة، تبدو الجزائر وكأنها تحاول إعادة تعريف موقعها في الخريطة الطاقوية الإقليمية.
فالمعادلة القديمة كانت بسيطة نسبياً: الغاز الجزائري يتجه شمالاً نحو أوروبا.
أما المعادلة التي تتشكل الآن فأوسع بكثير:
غاز إفريقي يمر عبر الجزائر نحو أوروبا، وهيدروجين أخضر ينتج في شمال إفريقيا ويعبر المتوسط، وكهرباء متجددة يمكن أن تعبر الكابل البحري، وطاقة شمسية يجري توسيع إنتاجها داخل البلاد، وصناعة جديدة تحاول الاستفادة من الهيدروجين في إنتاج الصلب.
بهذا المعنى، لا تراهن الجزائر على مصدر طاقة واحد ولا على سوق واحدة. إنها تسعى إلى بناء موقع جغرافي-طاقوي يجعلها حلقة وصل بين موارد إفريقيا وطلب أوروبا، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بدورها التقليدي كمُورّد للغاز.
والاختبار الحقيقي لهذه الاستراتيجية لن يكون في عدد مذكرات التفاهم التي تُوقع، وإنما في القدرة على تحويل هذه الممرات إلى بنية تحتية عاملة، وتأمين الاستثمارات والعقود والأسواق، وتحقيق معادلة تجعل الطاقة الجزائرية الجديدة قادرة على المنافسة في أوروبا وإفريقيا معاً.
فإذا نجحت هذه المشاريع في الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التشغيل التجاري، فإن الجزائر لن تكون أمام مجرد زيادة في صادرات الطاقة، بل أمام إعادة صياغة لدورها الجيو-اقتصادي في المتوسط وإفريقيا.
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
