ظهور نادر للملامح.. سينما الوجوه تتحول من مرآة انكسارات إلى لغة تجعل الإنسان مجرد حكاية في الفن السابع
لقد ولدت السينما لكي تحكي القصص، لكن هناك نوعاً خاصاً من الأفلام قرر أن يترك الحكاية جانباً ليركز على شيء أكثر عمقاً وأشد تعقيداً: الوجه الإنساني. في “سينما الوجوه”، ينسحب الحدث المثير إلى الخلفية، ويصعد الإنسان عارياً تماماً أمام العدسة، بلا حماية وبلا بلاغة مصطنعة. هنا، لا تشاهد فيلماً بالمعنى التقليدي، بل تحدق في وجه يواجه مصيره كما يواجه الكاميرا، ليصبح ملامح هذا الوجه وثيقة قلق ومرآة لانكسارات داخلية لا يمكن وصفها بالكلمات.
## سحر التفاصيل في سينما رد الاعتبار
تعتبر سينما الوجوه من أرقى التيارات السينمائية وأكثرها شاعرية، فهي تبدأ من أبسط عنصر بصري نعرفه، وهو وجه الإنسان، لكنها تحوله إلى نص معقد يتقاطع فيه التاريخ والسياسة والهوية. في هذا العالم، لا تلاحق الكاميرا المطاردات أو الانفجارات، بل تنصت بتركيز شديد إلى حركة العين وتجاعيد الفم. إنها سينما تؤمن بأن الوجه هو العنصر الأكثر صدقاً، وأنه قادر على حمل رسائل عميقة دون الحاجة إلى حوارات طويلة أو حبكات درامية معقدة.
المغامرة هنا تكمن في اللقطة القريبة جداً (Close-up) التي تسمح للمشاهد بأن يرى الممثل وهو “يفكر” فعلياً أمام الكاميرا. هذا الأسلوب يجعل الأداء يتجاوز فكرة التمثيل الخارجي ليصبح حضوراً داخلياً يشبه الاعتراف الصامت. ورغم أن البعض قد يتهم هذا النوع من الأفلام بالبطء أو النخبوية، إلا أنها في الحقيقة تجربة حسية فريدة تدعو المشاهد لملء الفراغات بخبرته الشخصية ومشاعره الخاصة.
## هوية التقشف وسلطة الصمت البليغ
تنطلق هذه السينما من مبدأ أن المعنى لا يُقال بل يُرى. ومن أبرز من جسد هذه الفلسفة المخرج إنغمار برغمان، الذي حول ملامح الممثلين إلى تساؤلات وجودية. ففي فيلم “القناع” مثلاً، نجد لحظات تختزل فكرة انقسام الذات وتلاشي الحدود بين الحقيقة والقناع الذي يرتديه الإنسان لمواجهة العالم. القصص في هذه الأفلام تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أعماقاً مذهلة، حيث يتم اختصار الكلمات لصالح سلطة الصورة والضوء والظل.
يعتمد المخرجون في هذا التيار على التقشف في كل شيء؛ فالموسيقى قليلة، والحوار مقتضب، والتركيز كله ينصب على تضاريس الوجه وكأنه منظر طبيعي فريد. هذا التوجه يمتد من جذور فلسفية ترى في التجربة الحسية أساس المعرفة. وقد قدم لنا تاريخ السينما نماذج خالدة، مثل وجه ماريا فالكونيتي في فيلم “آلام جان دارك”، حيث استطاعت نظرتها المرتعشة وحدها أن تنقل ثقل الإيمان والخوف دون أن تنطق بكلمة واحدة، مما جعل وجهها أيقونة سينمائية لا تُنسى.
## حين يتحول النظر إلى حدث درامي
في سينما الوجوه، لا يحدث “شيء” بالمعنى التقليدي لنمو الأحداث، ومع ذلك يشعر المشاهد أن كل شيء يتغير. اللحظة الجمالية هنا هي حين يتباطأ الزمن ويقترب الكادر من وجه البطل لدرجة تقترب من فضحه أو كشف أسراره. لنأخذ مثلاً سينما روبرت بريسون، التي تتميز بوجوه محايدة ومنزوعة الزخرفة، لكن تغيراً طفيفاً في بريق العين قد يشير إلى خلاص روحي هائل حدث في أعماق الشخصية.
أما في السينما اليابانية، وتحديداً عند المخرج ياسوجيرو أوزو، فإن الوجوه الهادئة تخفي خلفها “زلازل عاطفية”. جملة بسيطة مثل “هكذا هي الحياة” تقال بهدوء شديد، لكن الوجه الذي ينطقها يحمل ثقل الفقد والقبول معاً. هذه السينما تثق بالوجه كحامل للزمن وليس فقط للحدث، مما يجعل المشاهد يتورط عاطفياً مع الشخصيات ويشعر بآلامها وأفراحها وكأنها تخصه هو.
## الوجه كخريطة للمعنى وموقف أخلاقي
لا يُعرف البطل في هذا النوع من الأفلام بما يفعله، بل بما يظهر على وجهه حين يتوقف عن الحركة. الأبطال هنا غالباً ما يكونون أشخاصاً عاديين أو مهمشين يقفون على حافة الانكسار. ومن الأمثلة البارزة فيلم “لقطة مقربة” لعباس كيارستمي، حيث يتحول رجل بسيط إلى بطل تراجيدي بمجرد أن تمنحه الكاميرا الحق في أن يكون “مرئياً”. في هذا السياق، تصبح السينما وسيلة لمنح الكرامة لمن لا صوت لهم.
أخيراً، تظل سينما الوجوه دعوة مفتوحة للتمهل والتأمل في عالم يركض بسرعة جنونية. إنها تذكرنا بأن أبسط الأشياء، مثل وجه إنسان متعب أو نظرة طفل حائرة، قد تحمل إجابات عن أعقد الأسئلة الوجودية. الوجه في هذه الأفلام ليس مجرد جزء من الجسد، بل هو المساحة التي نلتقي فيها بأنفسنا وبالآخرين، فالحقيقة في النهاية لا تحتاج إلى ضجيج، بل تحتاج فقط إلى عين تلتقطها ووجه يجرؤ على كشفها.

تعليقات