رسميًا.. تجميد الحسابات يثير القلق في بنوع غزة وسط تضييق مستمر على المعاملات المالية للمواطنين
بينما تحث سلطة النقد والمصارف في فلسطين المواطنين على اعتماد الدفع الإلكتروني كبديل للعملة الورقية المتهالكة، يجد آلاف الغزيين أنفسهم عالقين في دوامة “الحسابات المجمدة”. هذه الأزمة لم تكن مجرد عطل فني، بل تحولت إلى كابوس يطارد أصحاب المهن والتجار والطلاب، الذين استيقظوا ليجدوا مدخراتهم محتجزة خلف شاشات تطبيقات بنكية معطلة، دون إنذار مسبق أو مبررات واضحة.
أصوات من قلب الأزمة وصرخات التجار والطلاب
قصة الصيدلي أيوب علي خليفة تلخص حال الكثيرين؛ فمنذ عام كامل وحسابه في بنك فلسطين مغلق، مما تسبب في شلل تام لحركة البيع والشراء في صيدليته وسط قطاع غزة. أيوب، الذي قدم أكثر من عشرة طلبات لاسترداد حسابه وأبرز كافة التراخيص القانونية، لم يتلقَ سوى الوعود أو التجاهل. يروي كيف يضطر الآن للاتصال بأقاربه للتأكد من وصول أي حوالة من الزبائن، مما يسبب تأخيراً يدفع المشتري لمغادرة المكان دون دواء.
الأمر لم يقتصر على التجار، بل طال طموح الشباب؛ فالطالب حمزة وجد نفسه محروماً من مبلغ بسيط أرسله والده في ذروة أيام النزوح والمجاعة. حمزة، الذي كان ينوي استخدام الحساب للتسجيل في المنح الدراسية، صُدم بإغلاق حسابه نهائياً دون إبداء الأسباب، ليخبره الموظف في النهاية أن بإمكانه سحب المبلغ على حساب آخر فقط، وكأن الحساب الشخصي بات عبئاً على البنك.
المحامون في مواجهة القيود المصرفية
خلال الأشهر الماضية، اتسعت رقعة التجميد لتشمل نحو 700 محامٍ من أصل 2000 في القطاع. المحامي أحمد النونو يصف ما يحدث بأنه تضييق غير مبرر، خاصة وأن الحوالة التي تسببت في إغلاق حسابه لم تتجاوز 2000 دولار. وفي ظل غياب السيولة النقدية، يجد هؤلاء القانونيون أنفسهم مضطرين للاقتراض لتوفير لقمة عيشهم، بينما أموالهم مرصودة في البنك ولا يمكن المساس بها.
المحامي حسام الوادية يشير إلى تناقض صارخ في ردود البنك؛ فمرة يتم التذرع بتحديث البيانات، ومرة أخرى يقال إن الصلاحيات بيد “سلطة النقد”، وعند مراجعة الأخيرة يتم إعادته للبنك من جديد. هذا الضياع دفع نقابة المحامين للتحرك ورفع دعاوى قضائية في رام الله لاسترداد حقوق أعضائها، معتبرين أن هذه الإجراءات بمثابة حكم بالموت البطيء في ظل ظروف الحرب القاسية.
ضغوط خارجية وواقع اقتصادي مرير
يرى خبراء اقتصاديون أن ما يحدث يتجاوز السياسات الداخلية للبنوك. يوضح الخبير أحمد أبو قمر أن هناك ضغوطاً خارجية تُمارس تحت لافتة “محاربة الإرهاب”، مما يجعل البنوك تتجه للإغلاق العشوائي للحسابات لتجنب الملاحقات الدولية. لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن سقف الـ 2000 دولار كحوالة شهرية هو رقم زهيد جداً في ظل التضخم وارتفاع الأسعار الجنوني في غزة، حيث لا يكفي هذا المبلغ لسد احتياجات عائلة لأكثر من أسبوع واحد.
أبو قمر لفت إلى أن البنك الذي ساهم في البداية بتسهيل التحويلات الإلكترونية لمواجهة أزمة السيولة، يرتكب الآن خطأً كبيراً بعدم الوضوح في معايير الإغلاق، مما ترك المواطن فريسة للقلق والارتباك. ومع انقطاع الإنترنت والكهرباء المتكرر، زادت هذه التعقيدات من معاناة الغزيين الذين يفتقر بعضهم للخبرة التكنولوجية، مما عرضهم لعمليات نصب واحتيال بعيداً عن الرقابة المصرفية.
القانون الفلسطيني ومسطرة الحقوق الضائعة
من الناحية القانونية، لا تمتلك المصارف سلطة مطلقة لإغلاق الحسابات بناءً على تقديرات شخصية. فقانون المعاملات المصرفية الفلسطيني لعام 2010، وقانون مكافحة غسل الأموال لعام 2015، يؤكدان أن الحساب البنكي عقد ملزم لا يجوز تقييده إلا بقرار قضائي أو تعميم رسمي من سلطة النقد في حالات الشبهة الجنائية الموثقة.
هذا المشهد يضع المنظومة المصرفية أمام اختبار حقيقي حول مفهوم “الشمول المالي”، الذي يتداعى أمام إجراءات تقييدية تجعل المواطن يفقد الثقة في إيداع أمواله داخل البنوك، مفضلاً العودة إلى الأساليب البدائية في التخزين، وهو ما يتناقض كلياً مع التوجهات العالمية والمحلية نحو الرقمنة المالية.

تعليقات