بينما تخيم أجواء الطمأنينة على ليالي شهر رمضان المبارك، اختارت جامعة الإمارات العربية المتحدة أن تفتح أبواب النقاش الفكري حول أقدس الروابط الإنسانية، حيث أطلقت باكورة مجالسها الرمضانية بجلسة حوارية استثنائية حملت عنوان “أهمية الأسرة ودور المؤسسات الأكاديمية في تعزيز دور الأسرة”. هذه الخطوة لم تكن مجرد فعالية عابرة، بل جاءت كاستجابة فورية وحيوية لدعوات وطنية عليا تضع الإنسان واستقراره في مقدمة الأولويات، محولةً الحرم الجامعي إلى منصة لصياغة وعي مجتمعي جديد يبدأ من قلب البيت ويمتد إلى قاعات الدراسة.
جامعة الإمارات تترجم رؤية القيادة لعام الأسرة
خلال افتتاح فعاليات هذا المجلس، وضع مدير جامعة الإمارات الدكتور أحمد علي الرئيسي النقاط على الحروف فيما يخص أهداف هذه اللقاءات، مشيراً إلى أن المبادرة لم تأتِ من فراغ بل هي ترجمة مباشرة لإعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، بتخصيص هذا العام ليكون “عاماً للأسرة”. هذا التوجه يعكس بصيرة نافذة ترى في الأسرة الحصن الأول والضمانة الحقيقية لاستدامة التنمية والتلاحم الاجتماعي في دولة الإمارات.
وأوضح الرئيسي أن المجالس الرمضانية بالجامعة تطمح لتكون جسراً يربط بين الفكر الأكاديمي والواقع المعيش، حيث تسعى لترسيخ قيم المسؤولية المشتركة بين الجميع. الجامعة هنا لا تكتفي بدورها التعليمي التقليدي، بل تبرز كفاعل أساسي في دعم الاستقرار المجتمعي، مؤكدة أن قوة الوطن تبدأ من تماسك نواته الأولى وهي الأسرة، مما يجعل الجامعة شريكاً في صناعة القرار الاجتماعي وتوجيه القيم نحو مساراتها الصحيحة.
دور الأكاديميا في حماية الهوية وبناء التماسك
لم تتوقف الجلسة عند التنظير، بل غاص الحاضرون في تفاصيل معقدة تتعلق بكيفية تحويل المناهج الدراسية والبحث العلمي إلى أدوات عملية تحمي الكيان الأسري. تركزت النقاشات حول ضرورة عدم بقاء المعرفة داخل الكتب، بل يجب أن تنعكس في برامج ومبادرات أكاديمية واضحة تهدف لتعزيز الهوية الوطنية ومواجهة ثقافة التغريب أو التفكك. وناقش الخبراء سبل تطوير أساليب البحث العلمي لتشخيص التحديات التي تواجه الأسر الحديثة، وتقديم حلول مبتكرة قابلة للتطبيق.
كان هناك تركيز خاص على الأنشطة اللامنهجية، وكيف يمكن للبيئة التعليمية أن تدمج مفاهيم التفاهم والحوار في شخصية الطالب الجامعي. الهدف هو تخريج جيل لا يحمل شهادة علمية فحسب، بل يمتلك وعياً ناضجاً بقدسية الرباط الأسري وأهمية الحفاظ على التقاليد الأصيلة في ظل عالم يتغير بسرعة مذهلة. هذه الرؤية تضع الأستاذ والطالب وولي الأمر في حلقة واحدة متصلة، تضمن انتقال القيم من جيل إلى آخر بسلاسة واقتناع.
مواجهة التحديات الاجتماعية المعاصرة برؤية تعليمية
الواقع اليوم يفرض تحديات جديدة لم تكن موجودة في السابق، من الغزو الثقافي الرقمي إلى تغير أنماط الحياة السريعة، وهو ما جعل المشاركين يبحثون في آليات تطوير مبادرات توعوية تستهدف أولياء الأمور جنباً إلى جنب مع الطلبة. فالتعليم لا ينتهي عند أسوار الجامعة، والتثقيف المجتمعي يجب أن يشمل الأسرة كاملة لخلق لغة مشتركة بين الأجيال المختلفة. الحوار والتفاهم كانا الكلمتين الأكثر تردداً خلال الجلسة، بصفتهما المفتاح السحري لحل أغلب المشكلات الاجتماعية المعاصرة.
تعد هذه الجلسات الرمضانية بمثابة مختبر للأفكار، حيث يتم رصد الفجوات في العلاقة بين المؤسسات الأكاديمية والواقع المجتمعي والعمل على سدها. ومن خلال تفعيل دور البحث العلمي المتخصص في القضايا الأسرية، تأمل جامعة الإمارات في تقديم نماذج عملية يمكن تعميمها، بحيث تصبح الجامعات بيوت خبرة تساهم في تقديم النصح والمشورة، وتدعم السياسات العامة التي تهدف إلى ترسيخ الاستقرار والسعادة في كل بيت إماراتي.
إن مخرجات هذه الجلسة الحوارية تعيد التأكيد على أن الدور الثقافي للمؤسسات التعليمية لا ينفصل عن دورها التعليمي. وبنهاية هذا المجلس، برزت قناعة راسخة لدى الحضور بأن العمل على تعزيز الأسرة هو استثمار طويل الأمد في أمن وازدهار الوطن، وأن الشراكة بين الجامعة والمجتمع هي الطريق الأمثل لبناء مستقبل قائم على أسس وقيم متينة لا تزعزعها المتغيرات.

تعليقات