في خطوة تعكس عمق التحولات الاستراتيجية في السياسة الخارجية الهندية، بدأ رئيس الوزراء ناريندرا مودي زيارة رسمية إلى إسرائيل، حملت في طياتها رسائل سياسية وعاطفية لافتة. مودي الذي اختار الوقوف تحت قبة “الكنيست” ليلقي خطاباً أمام الهيئة العامة وبحضور نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لم يكتفِ بالحديث عن المصالح المشتركة، بل ذهب إلى استحضار روابط تاريخية وشخصية مثيرة للاهتمام ربطت بين تاريخ ميلاده وتاريخ اعتراف بلاده بدولة إسرائيل.
تفاصيل خطاب مودي أمام الكنيست الإسرائيلي
خلال كلمته التي تابعها الأوساط السياسية باهتمام كبير، كشف مودي عن مفارقة زمنية اعتبرها دليلاً على متانة الروابط بين الجانبين، حيث أشار إلى أنه وُلد في السابع عشر من سبتمبر عام 1950، وهو اليوم نفسه الذي شهد اعتراف الهند رسمياً بإسرائيل. هذا الربط الوجداني مهد الطريق لرسالة سياسية أكثر حزماً، حيث قدم تعازيه في ضحايا هجوم السابع من أكتوبر، مؤكداً أن الهند تقف بحزم وإيمان كامل إلى جانب إسرائيل، خاصة في هذه الأوقات التي وصفها بالصعبة، مما يعكس تحولاً جذرياً في الموقف الهندي التقليدي الذي كان يحافظ على مسافة توازن دقيقة في صراعات المنطقة.
ولم تغب الملفات الاقتصادية وحسابات الأرقام عن أجندة الزيارة، إذ وصف رئيس الوزراء الهندي إسرائيل بأنها قوة عظمى في مجال التقنيات المتقدمة والابتكار. وأعلن مودي أن هناك فرق عمل متخصصة من كلا البلدين تبذل جهوداً مكثفة حالياً لإتمام مفاوضات اتفاقية تجارة حرة توصف بالـ “طموحة”، ويهدف هذا الاتفاق إلى فتح آفاق استثمارية ضخمة واستغلال كامل الإمكانات التجارية التي ظلت غير مستغلة لسنوات طويلة بين نيودلهي وتل أبيب.
التطور التاريخي للعلاقات بين الهند وإسرائيل
هذه الزيارة لا تعد مجرد لقاء بروتوكولي عابر، بل هي الزيارة الثانية لمودي الذي دخل التاريخ عام 2017 كأول رئيس وزراء هندي يطأ الأراضي الإسرائيلية منذ عقود، فالهند التي كانت لسنوات طويلة من أبرز الداعمين للقضايا العربية، بدأت في عهد مودي نهجاً مختلفاً يعتمد على “تعدد التحالفات” وتعزيز الشراكات الأمنية والتكنولوجية. وظهر هذا التوجه بوضوح في تصريحات مودي عبر منصات التواصل الاجتماعي فور وصوله، حيث أبدى تأثره بالاستقبال الحار الذي وُصف بالحافل، معرباً عن طموحه في دفع العلاقات الثنائية إلى مستويات غير مسبوقة من التعاون العسكري والاقتصادي.
تأتي أهمية هذا التقارب في ظل رغبة الهند في تنويع مصادر التكنولوجيا الدفاعية والأمنية، حيث أصبحت إسرائيل أحد أكبر الموردين للمعدات العسكرية للجيش الهندي. وفي المقابل، تجد إسرائيل في الهند سوقاً ضخمة وحليفاً دولياً يتمتع بثقل سكاني واقتصادي في القارة الآسيوية، مما يجعل من هذه الزيارة نقطة تحول قد تعيد رسم خريطة التحالفات في المنطقة، خاصة مع الحديث عن مشروعات ممرات تجارية كبرى تربط الهند بالشرق الأوسط وصولاً إلى أوروبا.
انتهت الجلسة الخاصة في الكنيست بتأكيد الجانبين على أن الشراكة بينهما تتجاوز المصالح الآنية لتصبح تحالفاً استراتيجياً طويل الأمد، وبينما تستمر المفاوضات خلف الأبواب المغلقة بشأن اتفاقية التجارة الحرة، تترقب الأوساط السياسية ما ستسفر عنه الأيام القادمة من اتفاقيات ملموسة تترجم هذا التقارب الدبلوماسي الكبير إلى واقع اقتصادي يعود بالنفع على الطرفين.

تعليقات