تحركات دبلوماسية مكثفة تشهدها المنطقة بالتزامن مع تطورات عسكرية واستخباراتية متسارعة، حيث كشف نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس عن معلومات مثيرة للقلق تتعلق ببرنامج إيران النووي، مشيراً إلى أن واشنطن رصدت أدلة واضحة تؤكد سعي طهران لإعادة تنشيط وتطوير قدراتها في مجال بناء السلاح النووي، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ جديد في ظل استمرار مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية التي لم تتوقف مجهر الرصد العالمي.
تحذيرات أمريكية حادة وتعزيزات عسكرية إسرائيلية
تصريحات جيه دي فانس جاءت لتعيد تسليط الضوء على الملف الإيراني الشائك، إذ تعكس هذه الأدلة الأمريكية الجديدة مخاوف جدية من تحول في السياسة النووية الإيرانية نحو التصنيع العسكري، وبالتزامن مع هذه التحذيرات السياسية، يبدو أن الميدان العسكري يتحرك هو الآخر بوتيرة سريعة لتأمين التفوق الجوي لشركاء واشنطن، فقد كشف تقرير صادر عن القناة 12 الإسرائيلية عن وصول وشيك لست مقاتلات أمريكية متطورة من طراز إف-22 إلى إسرائيل.
هذه المقاتلات التي تعتبر الأقوى في ترسانة القوات الجوية الأمريكية تهدف بشكل مباشر إلى تعزيز القدرات الاستراتيجية لتل أبيب، خاصة في ظل حالة الترقب التي تعيشها المنطقة واحتمالات التصعيد التي لا تزال قائمة، ويرى مراقبون أن توقيت إمداد إسرائيل بهذه الطائرات المتقدمة يرسل رسالة واضحة حول رغبة واشنطن في الحفاظ على توازن القوى وضمان تفوق ردع حلفائها ضد أي تهديدات محتملة قد تنبع من الأنشطة العسكرية الإيرانية المستجدة.
خطة عراقجي للاتفاق النووي ورفع العقوبات
في المقابل، لم تتوقف الآلة الدبلوماسية الإيرانية عن محاولة إيجاد مخرج للأزمة التي تخنق اقتصادها، فقد كشفت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية عن تحركات يقودها وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي عرض على نظيره العماني بنوداً لمقترح اتفاق جديد، ويتضمن هذا العرض نقاطاً جوهرية تتعلق بكيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني مقابل الحصول على ضمانات حقيقية لرفع العقوبات الاقتصادية التي تفرضها القوى الدولية، وقد اختار الوزير الإيراني العاصمة السويسرية جنيف لتكون مسرحاً لهذه المحادثات الحساسة التي تهدف إلى تنسيق المواقف مع مسقط التي تلعب غالباً دور الوسيط الهادئ بين طهران والغرب.
تحاول طهران من خلال هذا التحرك الدبلوماسي استباق الضغوط المتزايدة، حيث يسعى عراقجي لإقناع القوى الكبرى بأن هناك فرصة للوصول إلى تسوية سياسية، وتركزت المشاورات في جنيف على بنود تقنية وسياسية معقدة تهدف لترجمة رغبة إيران في تجميد بعض الأنشطة مقابل الحصول على انفراجة مالية وتجارية واسعة، وهي مقامرة دبلوماسية تأتي في وقت حساس جداً لمستقبل استقرار الشرق الأوسط وموازين القوى العالمية.
التصعيد النووي والرهان على الدبلوماسية العمانية
الواقع الحالي يظهر مفارقة كبيرة بين التسلح العسكري المكثف في الأجواء وبين طاولات المفاوضات التي لم تبرد بعد، فبينما تحط المقاتلات الأمريكية في القواعد الجوية لتعزيز الدفاعات، يبحث الدبلوماسيون عن صيغ قانونية قد تجنب المنطقة صراعاً مفتوحاً، وتستمر عمان بصفتها الطرف الموثوق من الجميع في محاولة تقريب وجهات النظر الصعبة بين طهران وواشنطن، خاصة وأن الملف النووي أصبح مرتبطاً بشكل عضوي بأمن المنطقة بالكامل وليس فقط بالعلاقات الثنائية بين الدول المتنافسة.
يبقى التساؤل قائماً حول مدى جدية الأدلة التي تحدث عنها جيه دي فانس وقدرتها على تغيير مسار المحادثات الجارية في جنيف، فإما أن تنجح ضغوط العقوبات والتعزيزات العسكرية في دفع إيران لتقديم تنازلات حقيقية في ملفها النووي، أو أننا أمام مرحلة جديدة من التوتر الذي قد يتجاوز حدود التصريحات الدبلوماسية ليتحول إلى مواجهة تكنولوجية وعسكرية أوسع.

تعليقات