عائد حقيقي 6%.. خبير اقتصادي يكشف تفاصيل “سند المواطن” ودوره في دعم الشمول المالي اليوم
أطلقت وزارة المالية مبادرة اقتصادية جديدة تستهدف مد جسور التعاون التمويلي المباشر مع الأفراد، وذلك عبر طرح ما يسمى بسند المواطن. هذه الخطوة تمثل تحولاً جذرياً في السياسة المالية للدولة، حيث تفتح الباب أمام الشخص البسيط للمشاركة في تمويل المشروعات القومية مقابل الحصول على عائد مادي منافس ومضمون، بعيداً عن التعقيدات التقليدية للاستثمارات الكبرى التي كانت تقتصر غالباً على المؤسسات المالية والبنكية.
تأتي هذه الخطوة بالتعاون مع بريد مصر، مما يسهل على المواطنين في مختلف القرى والمدن الوصول إلى هذا الاستثمار دون الحاجة للذهاب إلى البنوك الكبرى، وهو ما يعزز من مفهوم الشمول المالي بالوصول إلى كافة الفئات المجتمعية.
شروط ومميزات الاكتتاب في سند المواطن
يركز الإصدار الأول من هذا السند على تقديم مدة زمنية متوسطة تصل إلى 18 شهراً، وهي فترة يراها الخبراء مناسبة جداً لمن يبحث عن ادخار أمواله لفترة ليست بالطويلة مع ضمان ربح مستقر. وحددت وزارة المالية الفائدة الدورية بنسبة 17.8%، وهذا الرقم يمثل العائد الصافي الذي يحصل عليه الفرد بعد الخصومات الضريبية، مما يجعله خياراً جذاباً مقارنة بالعديد من الأوعية الادخارية الأخرى المتاحة حالياً في السوق.
وبحسب الدكتور محمد الجوهري، رئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، فإن الوزارة وضعت سقفاً لعملية الاكتتاب تبدأ من 10 آلاف جنيه كحد أدنى وتصل إلى 30 ألف جنيه كحد أقصى للشخص الواحد. هذا التحديد لم يأتِ من فراغ، بل يهدف بالأساس إلى منع استحواذ كبار المستثمرين على هذه السندات، وإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من الأسر المصرية للاستفادة من هذا العائد المرتفع، وضمان ثبات توزيع الأرباح على قاعدة جماهيرية واسعة.
لماذا تراهن الحكومة على مدخرات الأفراد
الاستثمار في سند المواطن يوفر معادلة ربحية للطرفين؛ فالمواطن يحصل على فائدة حقيقية تزيد بشكل ملموس عن معدلات التضخم الحالية، مما يعني أن قيمة أمواله لا تتآكل بل تنمو فعلياً بمرور الوقت. ومع توقعات انخفاض معدلات التضخم في الفترات المقبلة، ستزداد القوة الشرائية للعائد الذي يتقاضاه الفرد، مما يجعل السند مخزناً آمناً للقيمة وضماناً لمستقبل المدخرات الصغيرة.
على الجانب الآخر، تجد الدولة في هذا الطرح وسيلة ذكية لتقليل نزيف الإنفاق على فوائد الديون. فبدلاً من الاقتراض من المؤسسات المالية الكبيرة بأسعار فائدة قد تتراوح بين 22% و25%، تلجأ الوزارة للمواطن لتقترض منه بتكلفة أقل، وهو ما يساهم في خفض العجز الكلي للموازنة. هذه العملية تعيد توجيه السيولة المالية الموجودة في “البيوت” أو خارج النظام البنكي الرسمي إلى شرايين الاقتصاد الوطني، مما يدعم المشروعات العامة دون الضغط على القطاع المصرفي.
ضمانات الأمان وآفاق الاستثمار المستقبلية
ما يميز سند المواطن هو أنه يحمل ضمانة الخزانة العامة للدولة بشكل مباشر، وهذا يعني أنه من أكثر الأدوات المالية أماناً على الإطلاق، حيث لا توجد مخاطر تتعلق بضياع رأس المال أو تعثر صرف الفوائد. هذه الثقة هي المحرك الأساسي الذي تسعى الحكومة لترسيخه مع المواطن، لتحويل السلوك الادخاري العادي إلى سلوك استثماري يخدم خطط التنمية الشاملة.
التوجه الحالي لا يتوقف عند هذا الطرح فحسب، بل هناك رؤية مستقبلية تهدف لتنويع هذه السندات لتشمل فترات زمنية أطول، مما يساعد الدولة على ترتيب ديونها بشكل أكثر استدامة. كما يجري العمل حالياً على تجهيز منصات إلكترونية متطورة تسمح للمصريين العاملين في الخارج بالاستثمار في هذه الأدوات التمويلية بسهولة ويسر، مما يوفر لهم عائداً مجزياً بالعملة المحلية ويقوي في الوقت نفسه من موارد الدولة المالية.
يمثل سند المواطن بداية عهد جديد في العلاقة بين وزارة المالية والجمهور، حيث لم تعد الدولة مجرد جهة لتحصيل الضرائب، بل أصبحت شريكاً في تنمية مدخرات الأفراد، مما يخلق بيئة اقتصادية تتسم بالشفافية والمنفعة المتبادلة.

تعليقات