خطوات متسارعة تشهدها العلاقات الإماراتية البلجيكية لفتح آفاق جديدة من التعاون الاستراتيجي، حيث احتضنت وزارة الخارجية في أبوظبي أعمال الجولة الثالثة من المشاورات السياسية بين البلدين. هذا اللقاء الذي جمع قيادات دبلوماسية رفيعة المستوى، لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي، بل عكس رغبة حقيقية في تحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع اقتصادية وأمنية ملموسة تخدم مصالح الشعبين الصديقين وتدعم الاستقرار في القارة الأوروبية والشرق الأوسط.
ترأست هذه الجلسة الهامة ريم كتيت، نائب مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية من جانب دولة الإمارات، بينما ترأست الجانب البلجيكي ثيودورا جينتزيس، الأمينة العامة لوزارة الخارجية والتجارة الخارجية. واستطاع الطرفان خلال النقاشات رسم خارطة طريق واضحة لمستقبل العلاقات التي وصلت إلى مستويات متقدمة من النضج والشراكة الراسخة.
تحول نوعي في الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين أبوظبي وبروكسل
لم تعد العلاقات بين الإمارات وبلجيكا تقتصر على التبادل الدبلوماسي التقليدي، بل أصبحت ترتكز اليوم على قاعدة اقتصادية صلبة بدت واضحة في النمو المتسارع لحجم التجارة البينية. ركزت المباحثات بشكل مباشر على زيادة الاستثمارات في قطاعات المستقبل، حيث تبرز بلجيكا كشريك تقني رائد في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، في حين توفر الإمارات بيئة استثمارية ولوجستية عالمية تجذب كبرى الشركات البلجيكية.
وتتجلى هذه القوة الاقتصادية في التواجد المكثف للشركات البلجيكية داخل الدولة، خاصة في مجالات دقيقة مثل التصنيع المتقدم، وعلوم الحياة، وإدارة الموانئ العالمية. وسعى الجانبان خلال الاجتماع إلى دفع مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع الاتحاد الأوروبي نحو الأمام، مع التأكيد على أن الإمارات تمثل البوابة الرئيسية والمركز اللوجستي الأهم الذي يربط أوروبا بأسواق آسيا وإفريقيا.
تعاون أمني وقضائي لتعزيز الاستقرار ومكافحة الجريمة
أحد المحاور البارزة في هذه الجولة من المشاورات كان الملف الأمني والقضائي، حيث اتفق الطرفان على ضرورة توطيد التعاون في الشؤون القانونية وإنفاذ القانون. وأشاد المسؤولون بمستوى التنسيق المرتفع والثقة المتبادلة في هذا السياق، مما يمهد الطريق لتبادل أوسع للخبرات المؤسسية ومكافحة الجرائم العابرة للحدود.
وامتدت المباحثات لتشمل الجهود المشتركة في مكافحة الإرهاب والتطرف، إلى جانب ملف الأمن البحري الذي يمثل أولوية قصوى لحماية الممرات الملاحية العالمية. وأكدت النقاشات أن التنسيق المستمر بين البلدين في هذه القضايا الحساسة يساهم بشكل مباشر في خفض التصعيد الإقليمي وحماية الأمن الدولي من التهديدات الناشئة.
رؤية مشتركة تجاه الأزمات الإنسانية في غزة والقرن الأفريقي
على الصعيد الإنساني، برزت الإمارات وبلجيكا كصوتين يدعوان إلى تفعيل الحوار وحماية المدنيين في مناطق الصراعات. ناقش الطرفان بوضوح مستجدات الأوضاع في قطاع غزة والقرن الأفريقي، مع التأكيد على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية العاجلة والآمنة دون أي عوائق.
هذا التوافق في الرؤى السياسية والإنسانية يعزز من مكانة البلدين كفاعلين أساسيين في ساحة العمل الدبلوماسي الدولي. فاتفاق الجانبين على أهمية الدبلوماسية كسبيل وحيد لتحقيق الاستقرار المستدام يعكس نضج الشراكة وقدرتها على التعامل مع أعقد الملفات الدولية بروح من المسؤولية المشتركة.
سوف تستمر هذه اللقاءات بوتيرة مكثفة خلال المرحلة المقبلة، حيث اتفق الجانبان على زيادة الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، وضبط الجدول الزمني لعقد الجولة الرابعة من المشاورات في العاصمة البلجيكية بروكسل بحلول عام 2027، مما يضمن استمرارية هذا الزخم الدبلوماسي وتطويره لمستويات غير مسبوقة.

تعليقات