لطالما كان تشخيص أمراض النخاع الشوكي سباقاً مع الزمن، حيث تكمن الصعوبة دائماً في اكتشاف المشكلة قبل أن تصل إلى مرحلة يصعب علاجها. وفي طفرة علمية جديدة، نجح فريق بحثي من جامعة واشنطن في تطوير تقنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي يمكنها التنبؤ بالإصابة باعتلال النخاع العنقي قبل التشخيص السريري المعتاد بنحو عامين ونصف، وهو ما يمنح الأطباء فرصة ذهبية للتدخل المبكر ومنع تدهور الحالة الصحية للمرضى.
ثورة تقنية في الكشف عن اعتلال النخاع الشوكي
بدأت القصة عندما اجتمع فريق يضم جراحين وعلماء حاسوب وباحثين في جامعة واشنطن، بهدف واحد وهو معالجة التأخير المزمن في تشخيص مرض اعتلال النخاع الشوكي العنقي التنكسي. هذا المرض الذي ينشأ نتيجة ضغط فقرات الرقبة الملتهبة على الحبل الشوكي، يظل متخفياً لفترات طويلة خلف أعراض قد تبدو عادية في البداية، لكن الفريق البحثي قرر استخدام قوة البيانات الضخمة لكشف هذا الغموض.
استخدم الباحثون سبعة نماذج مختلفة من الذكاء الاصطناعي، وقاموا بتغذيتها ببيانات السجلات الصحية الإلكترونية لأكثر من مليوني شخص. الفكرة كانت ببساطة مراقبة “الأنماط الخفية” في زيارات المرضى للمستشفيات، والفحوصات التي أجروها، والتشخيصات السابقة، ومقارنتها بمسارات المرضى الذين ثبتت إصابتهم بالفعل. والنتيجة كانت مذهلة، حيث استطاعت هذه النماذج تحديد الأشخاص المعرضين للخطر قبل ظهور الأعراض الواضحة عليهم بمدة تصل إلى 30 شهرًا.
لماذا يشكل التشخيص المبكر تحدياً طبياً كبيراً
يعتبر اعتلال النخاع الشوكي العنقي التنكسي السبب الأول لاختلال وظائف الحبل الشوكي خاصة لدى كبار السن. تكمن خطورة هذا المرض في أنه يتقدم ببطء شديد، حيث يشكو المريض في البداية من ألم بسيط في الرقبة أو ضعف طفيف في العضلات، وقد يتطور الأمر إلى صعوبة في المشي وفقدان التوازن. المشكلة الحقيقية التي واجهت الأطباء لسنوات هي أن التشخيص الدقيق لا يحدث غالباً إلا في المراحل المتأخرة، حين تكون الخيارات العلاجية قد تضاءلت وأصبح الضرر الذي لحق بالخلايا العصبية كبيراً.
الذكاء الاصطناعي الذي طوره الفريق لم يعتمد فقط على النماذج الضخمة الجاهزة، بل شمل أيضاً نماذج صغيرة متخصصة ركزت على متغيرات سريرية محددة ترتبط مباشرة بصحة النخاع الشوكي. هذا المزيج سمح بدقة عالية في التنبؤ، وجعل من الممكن تحويل المعلومات الروتينية الموجودة في السجلات الطبية إلى أداة إنقاذ حقيقية، تتيح للجراحين التدخل في توقيت تكون فيه استجابة الجسم للعلاج في أفضل حالاتها.
مستقبل العلاج وتطوير الرعاية الصحية
يهدف هذا الابتكار إلى تغيير الطريقة التي يتعامل بها النظام الصحي مع مرضى الرقبة والعمود الفقري. فبدلاً من انتظار المريض حتى يصل إلى مرحلة العجز عن المشي أو فقدان السيطرة على العضلات، يمكن للنظام الذكي أن يرسل “تنبيهاً” للطبيب بناءً على تاريخ المريض الصحي، مما يوفر سنوات من المعاناة وتكاليف العلاج الباهظة في المراحل المتأخرة.
يعكس هذا النجاح البحثي، الذي نشرته مجلة Digital Medicine ونقله موقع Medical xpress، مدى القوة التي يمكن أن يضيفها علم البيانات إلى الطب السريري. فالذكاء الاصطناعي هنا لا يستبدل الطبيب، بل يمنحه “رؤية ثاقبة” تمكنه من قراءة ما بين السطور في السجل الطبي الضخم للمريض، وهو ما يفتح باباً جديداً من الأمل لملايين الأشخاص الذين يعانون من مشاكل العمود الفقري حول العالم، ويجعل من الوقاية والتدخل المبكر واقعاً ملموساً وليس مجرد أمنيات طبية.

تعليقات