بينما تتصاعد طبول الحرب في المنطقة وتتجه الأنظار بقلق نحو كل تحرك عسكري جديد، خرجت الدبلوماسية الإسبانية بهدوء لتعيد تقييم المشهد المتفجر في الشرق الأوسط، محاولةً وضع الأمور في نصابها بعيداً عن سيناريوهات الرعب الكوني التي تسيطر على منصات التواصل الاجتماعي وبعض الدوائر السياسية.
موقف إسبانيا من احتمالات الحرب الشاملة
يرى وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، أن المشهد الحالي في منطقة الشرق الأوسط يبعث على قلق شديد ولا يمكن الاستهانة بتداعياته، لكنه في الوقت ذاته يرفض حالة الهلع التي تروج لنهاية العالم. واعتبر ألباريس أن استخدام مصطلح “الحرب العالمية الثالثة” لوصف ما يجري حالياً هو نوع من المبالغة التي لا تتسق مع الواقع السياسي، مؤكداً أن التركيز يجب أن ينصب على وقف التصعيد وحماية المدنيين بدلاً من الانجراف وراء التوقعات القاتمة.
الوزير الإسباني لم يكتفِ بتشخيص الحالة الأمنية، بل وجه سهام انتقاده مباشرة نحو ما يحدث في قطاع غزة، مشيراً إلى أن آلة القتل لا تزال تحصد الأرواح دون توقف. وما يزيد من مأساوية الوضع هو تكدس المساعدات الإنسانية التي يحتاجها ملايين البشر خلف المعابر المغلقة، في وقت يواجه فيه سكان القطاع ظروفاً معيشية وصحية كارثية تجعل من الصمت الدولي أمراً غير مقبول.
تحرك أوروبي مرتقب ضد سياسات إسرائيل
تتبنى مدريد حالياً نبرة أكثر حدة تجاه التعامل مع الحكومة الإسرائيلية، حيث يشدد ألباريس على ضرورة أن يتوقف الاتحاد الأوروبي عن لعب دور المراقب فقط. ويرى الوزير أن التكتل الأوروبي يمتلك في جعبته أدوات سياسية واقتصادية قوية وحقيقية، ويجب تفعيلها فوراً للضغط على إسرائيل من أجل تغيير سياساتها الحالية ووقف إطلاق النار. هذا الموقف يعكس رغبة إسبانية في قيادة جبهة أوروبية تتبنى نهجاً أكثر صرامة تجاه الانتهاكات المستمرة في الأراضي الفلسطينية.
هذه الدعوات تأتي في وقت تعاني فيه السياسة الخارجية الأوروبية من تباين في وجهات النظر حول كيفية التعامل مع ملفات الشرق الأوسط، وهو ما يحاول الوزير الإسباني تجاوزه من خلال المطالبة بموقف موحد يفرض إرادة المجتمع الدولي ويضمن دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة دون عوائق سياسية أو عسكرية.
التحديات التي تواجه الإجماع والوحدة الأوروبية
إسبانيا لا تنشغل فقط بملف الشرق الأوسط، بل تضع عينها أيضاً على القارة العجوز وما يدور فيها من صراعات، خاصة في أوكرانيا. ويؤمن ألباريس أن تحقيق إجماع أوروبي كامل هو السبيل الوحيد لمواجهة الأزمات الكبرى، وهنا تبرز عقبة كبرى تتمثل في الموقف المجري. فقد انتقد الوزير صراحة التصريحات والتحركات الصادرة من المجر، معتبراً إياها حجر عثرة تعيب الطريق نحو إحلال السلام وتضعف الموقف الموحد للاتحاد الأوروبي.
الواقع يثبت يوماً بعد يوم أن الدبلوماسية الإسبانية تحاول خلق توازن بين دعم القضايا العادلة في المنطقة العربية وبين الحفاظ على أمن واستقرار أوروبا. وفي حين تبقى التوقعات حول “حرب عالمية” مجرد تحليلات متشائمة في نظر مدريد، إلا أن التحرك العملي على الأرض لوقف نزيف الدم في غزة وحل الأزمة الأوكرانية يظل هو المطلب الرئيسي الذي لا يقبل التأجيل. تبقى الأيام القادمة مرهونة بمدى قدرة الدول الأوروبية على تحويل هذه التصريحات إلى خطوات ملموسة تنهي معاناة المحاصرين وتفتح آفاقاً جديدة للسلام المتعثر.

تعليقات