تطور خطير في غزة.. هجوم إسرائيلي على تردد الحكومة في اتخاذ قرار الخطوة التالية بعد الحرب

تطور خطير في غزة.. هجوم إسرائيلي على تردد الحكومة في اتخاذ قرار الخطوة التالية بعد الحرب

يواجه المجتمع الإسرائيلي حالة من مراجعة الحسابات العسيرة بعد مرور عدة أشهر على أحداث السابع من أكتوبر، حيث تتصاعد الأصوات التي تتحدث عن ضياع فرص استراتيجية كان من الممكن أن تغير وجه الشرق الأوسط. ولم تكن المشكلة في العمليات العسكرية بحد ذاتها، بل في غياب “خارطة طريق” واضحة لما بعد الحرب، وهو ما جعل القتال يطول والضغوط الدولية تزداد، بينما تراجع ملف استعادة المختطفين في سلم الأولويات العالمية وسط تخبط في الرؤية السياسية للأزمة.

ثمن الفراغ السياسي في قطاع غزة

يرى الجنرال عاديه بيرشادسكي، الذي شغل سابقاً منصب المدير في معهد الصناعات الجوية الإسرائيلي، أن السياسة تحتمل كسب الوقت وتشكيل اللجان، لكن الساحة الأمنية لا تعرف هذا الهدوء. الفراغ في غزة لا يبقى فارغاً أبداً، فإذا لم تقرر الدولة وجهتها وتحدد من سيدير شؤون الناس هناك، سيقفز طرف آخر لشغل هذا الموقع. وهذا ما حدث بالضبط تاريخياً، حيث يصف بيرشادسكي ما جرى في عام 2005 بأنه كان بداية الخطأ الأكبر، حين انسحب الجيش من القطاع تحت مسمى “فك الارتباط” دون وضع بديل مدني أو آلية دولية واضحة، مما مهد الطريق لسيطرة حماس لاحقاً.

لقد اعتاد صناع القرار في تل أبيب على سياسة “المسكنات” والحصول على هدوء مؤقت بدلاً من وضع استراتيجية طويلة الأمد. وخلال السنوات التي سبقت انفجار الأوضاع في أكتوبر، ساد اعتقاد واهم بأن حماس قد تم ردعها، وأن الأموال التي تدخل القطاع كفيلة بشراء صمت الفصائل. هذا الهروب من مواجهة جذور الأزمة لم يكن بسبب نقص الحلول المتاحة، بل لأن اتخاذ قرارات حازمة بشأن مستقبل غزة كان سيكلف السياسيين أثماناً حزبية وشعبية باهظة، فآثروا تأجيل المواجهة حتى وقعت الكارثة.

ضياع فرصة التطبيع التاريخي مع السعودية

التكلفة الاستراتيجية للتردد الإسرائيلي لم تتوقف عند حدود قطاع غزة، بل امتدت لتضرب مشروع التحالف الإقليمي الكبير. قبل اندلاع الحرب، كان هناك حديث جدي عن اتفاق تاريخي مع المملكة العربية السعودية، وهو اتفاق كان سيغير موازين القوى ضد إيران بشكل جذري. لكن السعودية كانت واضحة في طلبها بضرورة وجود أفق سياسي للفلسطينيين ورؤية واضحة لليوم التالي في غزة. وبسبب غياب هذا القرار الإسرائيلي، توقف قطار التطبيع، وفقدت إسرائيل فرصة ذهبية لتمويل إعادة إعمار غزة بقيادة عربية تهمش دور الفصائل المسلحة.

إن العالم الذي ساند إسرائيل في الشهرين الأولين من الحرب بدأ يغير موقفه تدريجياً، ليس اعتراضاً على قوة الضربات العسكرية، ولكن لعدم فهمه للهدف النهائي من هذه الحرب. فالحلفاء يبحثون عن إجابات لأسئلة من نوع: “من سيمسك زمام الأمور بعد صمت المدافع؟” وعجز الحكومة عن تقديم إجابة قاطعة جعل الشرعية الدولية تتآكل. ولو كانت هناك خطة جاهزة لإشراك قوى إقليمية مثل السعودية والإمارات في الإدارة المدنية، لكان الواقع اليوم مختلفاً تماماً، ولربما انتهت العمليات العسكرية في وقت أسرع وبنتائج سياسية أكثر استدامة.

خسر المسؤولون وقتاً ثميناً في محاولة تجنب اتخاذ القرارات الصعبة، مما جعل الأطراف الدولية الأخرى هي من تحاول رسم شكل المنطقة. الحقيقة المرة التي يواجهها الإسرائيليون الآن هي أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة واقع آمن، وأن سياسة تأجيل الأزمات لم تسفر إلا عن انفجارها بشكل أكثر دموية، بينما يظل السؤال معلقاً حول كيفية الخروج من هذه الحلقة المفرغة ووضع حد لسنوات من التردد الذي كلف الجميع أثماناً باهظة.

محرر أخبار بشغف كبير لتغطية الأحداث السياسية والاقتصادية بشكل واضح ودقيق، هدفي دايمًا أقدم لك تقارير وتحليلات موثوقة تساعدك تفهم الأخبار بعمق وبأسلوب بسيط وموضوعي.