تعد العظام هي الركيزة الأساسية التي تحمل أجسادنا طوال العمر، لكن الكثيرين منا يتجاهلون حقيقة أن هذه الكتلة الصلبة تبدأ في التآكل تدريجياً مع مرور سنوات العمر. المشكلة الحقيقية تكمن في أن الجسم بعد سن معينة يبدأ في فقدان الخلايا العظمية بسرعة أكبر من قدرته على تعويضها، وهو ما يمهد الطريق لمرض “هشاشة العظام” الذي يصفه الأطباء باللص الصامت.
تؤكد التقارير الطبية الصادرة عن جامعة هارفارد أن نصف النساء تقريباً سيعانين من كسور مرتبطة بهشاشة العظام في مرحلة ما من حياتهن. المثير للدهشة أن الرجال ليسوا ببعيدين عن هذا الخطر، حيث يصاب نحو 25% منهم بكسور ناتجة عن ضعف العظام، ومع ذلك لا يشعر الرجل بالقلق الكافي تجاه هذا الأمر مقارنة بالمرأة التي ترتبط لديها صحة العظام بانقطاع الطمث وتغير الهرمونات.
سلوكيات يومية تدمر كثافة عظامك دون علمك
نمط الحياة الحديث يفرض علينا عادات قد تبدو بسيطة لكنها تؤثر بشكل مباشر على جودة هيكلنا العظمي. أول هذه العادات هو إهمال تناول كميات كافية من الكالسيوم؛ فالشخص البالغ يحتاج يومياً إلى 1000 ملليجرام، بينما ترتفع هذه النسبة لتصل إلى 1200 ملليجرام لمن تجاوزوا الخمسين من النساء والسبعين من الرجال. الاعتماد فقط على الوجبات السريعة وإغفال الخضراوات الورقية ومنتجات الألبان يضع العظام في مأزق حقيقي.
يأتي خطر الكافيين والمشروبات الغازية في المرتبة التالية، فرغم أن النقاش العلمي حولهما لا يزال مستمراً، إلا أن الإفراط في تناولهما يقلل من كفاءة الجسم في امتصاص الكالسيوم. كما أن نقص البروتين يعد عدواً خفياً آخر، حيث يظن البعض أن البروتين مخصص للعضلات فقط، لكن الحقيقة أنه حجر أساس في بناء أنسجة العظام وزيادة كثافتها.
لا يتوقف الأمر عند الغذاء، بل يمتد إلى الحركة. الجلوس لفترات طويلة والحياة الخاملة يمنعان العظام من التعرض للضغوط الطبيعية التي تحتاجها لتقوى. العظام مثل العضلات، تحتاج إلى مجهود “تحمل الوزن” مثل المشي أو صعود السلالم لتبقى صلبة. أضف إلى ذلك عادات مثل التدخين واتباع حميات غذائية قاسية تفتقر للعناصر الأساسية، وكلها عوامل تسرع من وتيرة تدهور الحالة الصحية للهيكل العظمي.
كيف تكتشف ضعف عظامك قبل فوات الأوان
تكمن خطورة هشاشة العظام في أنها لا تسبب ألما واضحاً في البداية، فالمريض قد يعيش سنوات دون أن يشعر بضعف عظامة حتى تقع الكارثة ويحدث كسر مفاجئ. هناك علامات تحذيرية يجب الانتباه لها، مثل ملاحظة قصر القامة البسيط مع التقدم في السن، أو حدوث كسر ناتج عن سقطة بسيطة أو خبطة لا تستدعي في الحالات العادية كسر العظم.
ينصح الأطباء دائماً بضرورة مراجعة قائمة الأدوية التي يتناولها الشخص، فبعض العلاجات قد تسبب الدوار الذي يؤدي للسقوط، أو تؤثر بشكل مباشر على امتصاص فيتامين د. هذا الفيتامين هو البطل الخفي، لأنه المسؤول الأول عن نقل الكالسيوم من الأمعاء إلى الدم ثم إلى العظام، وبدونه لا قيمة لمصادر الكالسيوم التي نتناولها.
تمرين بسيط لتقوية الجزء العلوي من الجسم
يعتقد البعض أن المشي كافٍ لحماية العظام، لكن الحقيقة أن عظام الذراعين والكتفين تحتاج أيضاً لتمارين مقاومة. تمرين “الضغط على الصدر” يعد من أفضل الوسائل لتحفيز كثافة العظام في المناطق التي لا تتعرض لضغط كبير خلال اليوم. يمكن ممارسة هذا التمرين بسهولة عبر الاستلقاء على الظهر مع ثني الركبتين، وحمل أوزان مناسبة في كل يد، ثم رفعها للأعلى ببطء وإنزالها باتجاه الصدر.
تكرار هذا النشاط لعدة جولات أسبوعياً يرسل إشارات للجسم بضرورة تقوية هذه المناطق وتدعيمها بخلايا عظمية جديدة. الحفاظ على العظام ليس مجرد نصيحة طبية، بل هو استثمار طويل الأمد لضمان الاستمرارية في الحركة والنشاط وتجنب سنوات من الألم والاعتماد على الآخرين بعد التقاعد. قليل من الاهتمام بنوعية الغذاء مع نشاط بدني منتظم يكفي لحماية هيكلك العظمي من التهاوي.

تعليقات