أدوار خالدة.. سر تحول عبد العزيز مخيون من الإخراج إلى قمة التمثيل بمصر

أدوار خالدة.. سر تحول عبد العزيز مخيون من الإخراج إلى قمة التمثيل بمصر

يحتفل الوسط الفني اليوم بعيد ميلاد أحد أعمدة الإبداع والتشخيص في مصر، الفنان القدير عبد العزيز مخيون، الذي أتم عامه الثامن والسبعين. مخيون ليس مجرد ممثل مر على الشاشة، بل هو مدرسة فنية قائمة بذاتها، استطاع على مدار عقود أن يحفر اسمه بحروف من ذهب، متمسكاً بهوية فنية فريدة جمعت بين الموهبة الفطرية والدراسة الأكاديمية العميقة، مما جعله وجهاً لا يغيب عن ذاكرة المشاهد العربي.

ولد عبد العزيز مخيون في الخامس عشر من ديسمبر عام 1946 بمركز أبو حمص في محافظة البحيرة، ونشأ في بيئة ريفية صقلت رؤيته للفن والحياة. عشق الفن منذ صغره، ولم يكتفِ بالموهبة بل قرر صقلها بالدراسة فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية. لم يقف طموحه عند حدود التمثيل، بل كان شغوفاً بالموسيقى والإخراج، مما جعله فناناً شاملاً يدرك أبعاد العمل الدرامي من خلف الكاميرا وأمامها، وهو ما ميز أداءه بالهدوء والثقة الشديدة.

بدايات عبد العزيز مخيون ومسرح الفلاحين

كانت بدايات مخيون قوية ومليئة بالتجارب الثرية، حيث انضم في مقتبل حياته المهنية لفرقة التلفزيون المسرحية، وسرعان ما برزت قدراته الإخراجية بجانب التمثيل. سافر في منحة حكومية إلى فرنسا لدراسة المسرح، وهناك اطلع على المدارس الفنية العالمية، لكنه عاد برؤية مصرية خالصة، فأسس “مسرح الفلاحين” الذي كان يهدف من خلاله إلى نقل الفن للقرى والمناطق البعيدة، تعبيراً عن إيمانه بأن الرسالة الفنية يجب أن تلمس حياة الناس البسطاء في كل مكان.

انطلق بعدها في رحلة طويلة في عالم الدراما والسينما، حيث شارك في أعمال أصبحت اليوم من كلاسيكيات الفن المصري. يتذكر الجمهور دوره في مسلسل “القاهرة والناس” وفي “الشهد والدموع”، وصولاً إلى الملحمة التاريخية “ليالي الحلمية” التي جسد فيها شخصية “طه السماحي” ببراعة مذهلة. استطاع مخيون أن يتنقل بين الأدوار المعقدة والبسيطة بسهولة، فمرة نراه المثقف الثوري، ومرة أخرى الرجل الريفي المتمسك بجذوره، وحتى في السنوات الأخيرة ظل منافساً قوياً بظهوره المميز في مسلسل “جودر”.

تجسيد شخصية محمد عبد الوهاب والبراعة في التقليد

ارتبط اسم عبد العزيز مخيون في أذهان الكثيرين بموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، ليس فقط بسبب الموهبة بل بسبب الشبه الكبير الذي يجمعهما في الملامح والكاريزما. هذا التشابه لم يكن شكلياً فقط، بل استطاع مخيون تقمص روح الشخصية وطريقة حديثها وحركاتها، ليجسد شخصية عبد الوهاب في ثلاثة أعمال درامية كبرى هي “أم كلثوم”، و”إسماعيل ياسين”، و”سعاد حسني”. حقق نجاحاً باهراً في هذه الأدوار لدرجة أن المشاهد كان ينسى أحياناً أنه يتابع ممثلاً ويشعر وكأنه يشاهد الموسيقار الراحل نفسه.

لم يقتصر عطاء مخيون على الشاشة الفضية، بل كان له حضور طاغٍ في الإذاعة عبر مسلسلات مثل “عندما يموت الخوف” و”خروف رؤوف”، بالإضافة إلى مشاركاته المتنوعة في المسرح الذي يعتبره بيته الأول. هذا التنوع يظهر مدى مرونة الفنان الذي استطاع أن يواكب أجيالاً مختلفة، وظل محتفظاً بمكانته وسط تغيرات الصناعة الفنية، معتمداً على صدق الأداء والابتعاد عن التكلف، وهو ما جعل منه نموذجاً يحتذى به للأجيال الجديدة من الممثلين.

يمثل عبد العزيز مخيون حالة فنية تعبر عن وقار الفن المصري، فقد استطاع عبر مسيرة امتدت لنصف قرن أن يوازن بين النجاح الجماهيري والقيمة الفنية العالية. وفي يوم ميلاده، يظل مخيون رمزاً للفنان المثقف الذي استثمر موهبته في تقديم أعمال تتجاوز حدود الزمن، ليبقى اسمه مرتبطاً بالإبداع الحقيقي الذي لا ينطفئ بمرور السنوات.

محرر أخبار بشغف كبير لتغطية الأحداث السياسية والاقتصادية بشكل واضح ودقيق، هدفي دايمًا أقدم لك تقارير وتحليلات موثوقة تساعدك تفهم الأخبار بعمق وبأسلوب بسيط وموضوعي.