ظهور نادر وجولة تراثية.. دكتور إبرام روبرت يكشف تفاصيل جدول الإفطار والسحور وزيارة حي السيدة زينب والمعز في رمضان
بين أروقة العيادات وزحام وضجيج الحياة اليومية، تبرز قصص إنسانية تعيد تعريف مفهوم الوحدة الوطنية، ليس بصفتها شعاراً يُرفع، بل كواقع ملموس يتنفسه المصريون كل يوم. الدكتور أبرام روبرت، خبير التأمين الطبي، يقدم نموذجاً فريداً لطبيب مسيحي يرى في شهر رمضان المبارك موسماً مصرياً خالصاً يتجاوز حدود العقائد ليروي الروح والجسد في وقت واحد، مجسداً برؤيته العميقة فلسفة المواطنة التي لا تفرق بين مسجد وكنيسة.
فلسفة الطبيب في طقوس الصيام والارتقاء الروحي
يصف الدكتور أبرام نفسه بكلمات تحمل مزيجاً من التواضع والثقافة العميقة، حيث يقول إنه “عبد فقير إلى الله” يجمع في طباعه وعمله واجتماعياته روح المذاهب الفقهية الأربعة، مؤكداً اعتزازه بأصوله الأرثوذكسية وإيمانه الراسخ بالقومية العربية. هذه التركيبة الشخصية جعلته ينظر إلى رمضان بمرآة مختلفة، فهو بالنسبة له “موسم فيض” مصري وقومي، تتقارب فيه الأرواح قبل أن ترتوي الأجساد، ويرى فيه فرصة حقيقية للتدريب على ضبط النفس والارتقاء بالذات.
الحرص على دعم الزملاء الصائمين ليس مجرد واجب روتيني في حياة أبرام، بل هو نابع من شعوره بالعضوية الحية في جسد الوطن. يشارك زملاءه لحظة انطلاق أذان المغرب، ويحرص على تناول “تمرة” الإفطار معهم، وهي اللحظة التي يصفها بأنها تذيب الفوارق وتتجلى فيها القومية العربية في أبهى صورها حين تتوحد المشاعر من المحيط إلى الخليج على قيم الصبر والجود.
الخريطة الرمضانية بين السيدة زينب وشارع المعز
لا يكتفي الطبيب بالمشاركة الوجدانية، بل يضع جدولاً زمنياً دقيقاً قبل حلول الشهر الكريم، يتضمن قائمة بالأصدقاء الذين سيشاركونه وجبات الإفطار والسحور. وتكمن جمالية طقوسه في الارتباط بالأماكن التاريخية ذات الطابع الروحاني الخاص، حيث يحرص على زيارة منطقة السيدة زينب وشارع المعز لدين الله الفاطمي، ليعيش تفاصيل البهجة المصرية التي لا تكتمل إلا في هذه الأحياء العريقة وسط أجواء الفوانيس والروائح الرمضانية الأصيلة.
من منظور مهني، يرى خبير التأمين الطبي أن الصيام يمثل “صيانة” ربانية للجهاز العصبي وفرصة ذهبية للتعافي النفسي والبدني. إن فرحة الإفطار في رأيه تعمل كعلاج فعال للتوتر وضغوط الحياة، مما يجعل الشهر رحلة استشفائية شاملة لا تقتصر على الجانب الديني فقط، بل تمتد لتشمل الصحة العامة وتحسين الحالة المزاجية للفرد.
وحدة الجسد والروح في قلب الوطن
يرسم الدكتور أبرام لوحة بديعة حين يتحدث عن القوة الكامنة في وحدة المصريين، مؤكداً أن الصلوات المرفوعة من الكنائس والمساجد هي في حقيقتها نداء واحد لرب واحد. ويستخدم تعبيراً بليغاً يختصر فيه المشهد قائلاً إن “المصباح واحد وإن تعددت الزجاجات”، في إشارة إلى أن الجوهر الإنساني والوطني يظل ثابتاً مهما اختلفت المعتقدات أو الممارسات التعبدية.
تعتبر قصة الدكتور أبرام روبرت حلقة في سلسلة طويلة من الحكايات المصرية التي تؤكد أن النسيج المجتمعي في مصر يستمد قوته من هذه التفاصيل البسيطة والعفوية. إن احتفاء طبيب مسيحي بشهر رمضان، ليس كضيف بل كصاحب دار، يعكس عمق التجربة الاندماجية في المجتمع العربي، ويؤكد أن القيم الإنسانية والقومية هي الرابط الأقوى الذي يجمع الأفراد تحت مظلة هوية واحدة تتسع للجميع.

تعليقات