تحتفل الساحة الفنية اليوم بمناسبة مميزة في ذاكرة الدراما والسينما العربية، حيث يحل عيد ميلاد الفنانة القديرة فردوس عبد الحميد، صاحبة الحضور الطاغي والأدوار المحفورة في وجدان المشاهدين. لم تكن مجرد ممثلة مرت على الشاشة، بل هي رمز من رموز الفن الجاد التي استطاعت عبر مسيرتها الممتدة لأكثر من خمسين عاماً أن تضع بصمة لا تمحى، سواء في حواري الدراما الشعبية أو فوق خشبة المسرح وبطولات السينما التاريخية.
نشأة فردوس عبد الحميد والخطوات الأولى نحو المعهد
ولدت الفنانة فردوس عبد الحميد في عام 1947 لأسرة مصرية متوسطة، حيث كان يعمل والدها تاجراً للأثاث، ونشأت كابنة وسطى بين شقيقتين في بيئة تقدر العمل والاجتهاد. شغفها بالفن قادها للالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتخرجت من قسم التمثيل في عام 1969، لكن طموحها الأكاديمي لم يتوقف عند هذا الحد، فقررت صقل موهبتها الفطرية بالعلم وحصلت على دبلومة من معهد “الكونسرفتوار” لتجمع بين رقي الموهبة وقوة التأسيس الأكاديمي.
بدأت فردوس رحلتها في وقت كانت فيه الساحة الفنية تموج بالعمالقة، لكن بساطة ملامحها وقوة تعبير وجهها سمحا لها بالدخول سريعاً إلى قلوب المشاهدين. كان المسرح هو المتنفس الأول لإبداعها، قبل أن تخطفها عدسات التلفزيون لتصبح واحدة من أيقونات الشاشة الصغيرة لاحقاً، حيث استطاعت الموازنة بين متطلبات الأداء المسرحي الحي وهدوء الأداء السينمائي والدرامي.
الانطلاقة الحقيقية للفنانة فردوس عبد الحميد في حكاية ميزو
جاءت نقطة التحول الكبرى في عام 1977، حينما حصلت على فرصة العمر بتقديم أول دور بطولة لها في المسلسل الكوميدي الشهير “حكاية ميزو”. هذا العمل لم يبرز فقط قدراتها التمثيلية، بل جعلها وجهاً عائلياً يطل على ملايين الأسر المصرية والعربية. بعد هذا النجاح المدوي، انطلقت فردوس لتقدم سلسلة من البطولات التليفزيونية التي ناقشت قضايا اجتماعية وسياسية شائكة، مما جعلها توصف بالفنانة ذات التوجهات والمواقف الواضحة، خاصة في الأعمال التي تلامس الهم الوطني.
اشتهرت فردوس عبد الحميد بقدرتها العالية على تقمص الشخصيات المركبة، ولم تكتفِ بالأدوار التقليدية، بل ذهبت نحو تقديم شخصيات تاريخية وسياسية ببراعة منقطعة النظير. جسدت بذكاء شديد دور السيدة “تحية” زوجة الزعيم جمال عبد الناصر في فيلم “ناصر 56″، واستطاعت أن تنقل للمشاهد تفاصيل القوة والهدوء في آن واحد، كما خاضت مغامرة كبرى بتجسيد شخصية كوكب الشرق أم كلثوم في فيلمها السينمائي الشهير، لتثبت أنها ممثلة قادرة على تطويع أدواتها بما يتناسب مع عظمة الشخصيات التي تقدمها.
أبرز الأعمال التلفزيونية والسينمائية في مشوار فردوس عبد الحميد
قائمة أعمالها الدرامية تضم روائع لا تزال القنوات تعرضها حتى اليوم، مثل “الإنسان والحقيقة” و”أم العروسة”، وشاركت في المسلسل الاجتماعي الأيقوني “أبنائي الأعزاء.. شكراً” الذي يعتبر واحداً من كلاسيكيات التلفزيون المصري. واستمر هذا العطاء في سنوات لاحقة من خلال أعمال مثل “أدهم وزينات وثلاث بنات”، حيث كانت دائماً تحرص على اختيار نصوص تحمل رسائل إنسانية وتحترم عقل المشاهد، بعيداً عن صخب الأعمال التجارية الخالية من المضمون.
في السينما، كانت اختياراتها دقيقة ومؤثرة، فإلى جانب أعمالها التاريخية، شاركت في فيلم “على من نطلق الرصاص”، وهو العمل الذي عكس واقعاً سياسياً معيناً في تلك الفترة. هذا التنوع هو ما جعلها تحظى بتقدير محلي ودولي واسع، حيث نالت جوائز رفيعة منها قلادة العنقاء الذهبية الدولية في عام 2008، وتقديراً لخبرتها الطويلة، تم اختيارها لتكون عضواً في لجنة تحكيم مهرجانات دولية، من بينها مهرجان المنبر الذهبي في “قازان”.
تظل فردوس عبد الحميد نموذجاً للفنانة التي احترمت فنها وجمهورها، فلم تنجرف وراء بريق الشهرة المؤقت، بل فضلت البقاء في دائرة الفن الهادف. واليوم، وهي تحتفل بعيد ميلادها، ينظر الجمهور إليها كواحدة من جيل الكبار الذين وضعوا أسس الدراما المصرية الرصينة، واستمروا في العطاء برغم تغير الأجيال وتبدل معايير السوق السينمائي والدرامي.

تعليقات